تخصصات علم النفس

كيف ولد علم النفس الاجتماعي؟ جولة في النشأة التاريخية وأبرز الرواد

يعتقد الكثيرون أن الاهتمام بالسلوك البشري في سياقه الجماعي هو ظاهرة حديثة، لكن الحقيقة أن جذور علم النفس الاجتماعي تمتد إلى قرون مضت من التفلسف حول طبيعة الإنسان وعلاقته بالآخرين. غير أن التحول الحقيقي حدث في مطلع القرن العشرين، عندما تحولت هذه التساؤلات الفلسفية إلى علم تجريبي قائم بذاته. في هذا المقال، نأخذك في جولة شاملة لنشأة علم النفس الاجتماعي، مستعرضين أبرز المحطات والأسماء التي أسهمت في صياغة هويته، من النماذج السابقة لفهم الإنسان إلى اللحظة التي ولد فيها كحقل أكاديمي متميز.

من الفلسفة إلى العلم: كيف فكرنا في الإنسان قبل علم النفس الاجتماعي؟

لفهم كيف ولد علم النفس الاجتماعي، ينبغي أولا استكشاف النماذج الفكرية التي سبقته. كان البشر، عبر العصور، يحاولون تفسير سلوكهم وسلوك الآخرين انطلاقا من مرجعيات مختلفة. يذكرنا تاريخ الأفكار أن معرفة الإنسان بقيت لفترة طويلة فلسفية بالأساس، قبل أن تنشق عنها العلوم الإنسانية المتخصصة. وقد هيمنت ثلاث رؤى كبرى على التفكير في الإنسان قبل ظهور علم النفس الاجتماعي.

الإنسان ككائن عقلاني

تعود هذه الرؤية إلى التقليد الفلسفي، وخصوصا إلى الفكر الديكارتي الذي ساد منذ القرن السابع عشر. ينظر هذا النموذج إلى الإنسان بوصفه كائنا تمتد إليه العقل، والوعي هو دليله. لكن هذه النظرة المجردة سرعان ما واجهت نقدا من قبل كتاب الأخلاق أمثال لاروشفوكو ولابرويير، الذين أظهروا أن البشر الحقيقيين في مجتمعهم يتصفون بالضعف والعبث والتفاوت الاجتماعي، بعيدا عن الصورة المثالية للإنسان العاقل. ظهرت هنا فكرة «الشخصية» كعنصر تفسيري يراعي الأخلاق والعادات الاجتماعية.

الإنسان ككائن بيولوجي

مع تطور العلوم التشريحية في القرن الثامن عشر، ظهر نموذج جديد ينظر إلى الإنسان من خلال جسده وأعضائه. كانت الأسئلة الكبرى تدور حول مكان الإنسان مقارنة بالحيوانات الأخرى، وأهمية لغة الإنسان كمعيار للتمييز. لكن المعرفة التشريحية وحدها لم تتمكن من تفسير السلوك؛ بل أظهرت حدود الملاحظة عندما تثبت الكائن الحي وتشرحه. غير أن هذه المقاربة أسهمت في خلق تصنيف هرمي لأجزاء الجسم، وإعطاء مكانة خاصة للجمجمة باعتبارها موطن المعرفة. وفي القرن التاسع عشر، تعززت النظرة البيولوجية للإنسان من خلال مفهومي التكيف والتطور.

الإنسان ككائن نفسي

نشأ هذا النموذج أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، متأثرا بالفلسفة التجريبية من جهة، وعلم النفس الفيزيائي من جهة أخرى. ركز التجريبيون على دور الإدراك الحسي والتعلم في تطوير العقل، معتبرين أن السلوك البشري يتشكل بفعل المنبهات الخارجية. أما علم النفس الفيزيائي الألماني فسعى إلى تحديد العلاقات بين الظواهر الفيزيائية (كالمثيرات) والظواهر النفسية (كالاحساسات). وكان الحدث الفاصل هو إنشاء فيلهلم فونت أول مختبر لعلم النفس في جامعة لايبزيغ عام 1879، حيث ركزت الأبحاث الأولى على الإدراك الحسي، وخاصة البصر. كان فونت أول من حدد دور العمليات الفيزيائية في النشاط العقلي.

هذه النماذج الثلاثة مهدت الطريق لظهور علم النفس الاجتماعي، الذي أضاف بعدا جديدا: الإنسان ككائن اجتماعي بامتياز.

أبرز رواد النشأة: من أعلن ولادة علم النفس الاجتماعي؟

يعتبر عام 1908 عاما مفصليا في تاريخ علم النفس الاجتماعي، إذ صدر فيه أول كتابين دراسيين في هذا المجال. الأول للعالم النفسي ويليام ماكدوغال، ركز فيه على دور الغرائز في تفسير السلوك الاجتماعي والتحكم بها. والثاني لعالم الاجتماع إدوارد روس، تناول سلوك الفرد في المجتمع من خلال ظاهرة التقليد. هذان العملان مثلا نقطة الانطلاق الرسمية لعلم النفس الاجتماعي كحقل أكاديمي متميز في أمريكا الشمالية.

لكن أوروبا كانت قد شهدت حراكا فكريا كبيرا أثر في تكوين هذا العلم. تأثرت الفكرة الاجتماعية آنذاك بعدة تيارات: الفكر الماركسي، وعلم نفس الشعوب، وأعمال دوركهايم، وأبحاث تارد ولو بون، التي أرست أسس علم النفس الاجتماعي بوصفه مقاربة تسعى لفهم سبب وكيفية تغير سلوك الفرد داخل الحشد.

أوغست كونت: المؤسس البعيد

يعتبر الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (1857-1798) من أوائل من طرحوا تصورا صريحا للإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا. كان هدفه تأسيس معرفة بالإنسان تعتمد على طرق عيشه في المجتمع. رأى كونت أن الإنسان يصنعه المجتمع الذي يعيش فيه، وأن دراسته يجب أن تتم بوصفه منغمسا في بيئته الاجتماعية، لكن عبر أصوله. هكذا انتقل الاهتمام من الإنسان المعزول إلى الإنسان المتجذر في جماعة. وقد أطلق كونت على هذا العلم الجديد اسم «علم الاجتماع».

غابرييل تارد: التقليد كآلية اجتماعية

اهتم تارد، مثل لو بون لاحقا، بمسألة تغير سلوك الفرد عندما يندمج في حشد. لاحظ تارد أن الأفراد يميلون إلى تقليد سلوكيات من يصلحون نموذجا لهم داخل الحشد. وعرف مفهوم «التقليد» بوصفه عملية أساسية في الواقع الاجتماعي، وأظهر طبيعته الديناميكية والانتقائية، التي تحول الفردي إلى اجتماعي.

غوستاف لو بون: سيكولوجية الجماهير

ابتكر لو بون نظرية نفسية للجماهير، وصف فيها الحشد النفسي بأنه «كائن مؤقت يتكون من عناصر غير متجانسة تتلاحم للحظة، تماما كما تشكل خلايا الكائن الحي جسما يظهر صفات تختلف كثيرا عن صفات كل خلية على حدة». يمنح هذا الحشد الأفراد روحا جماعية تجعلهم يشعرون ويفكرون ويتصرفون بشكل مختلف تماما عما لو كانوا بمفردهم.

حدد لو بون عدة خصائص نفسية للحشود:

  • قانون الوحدة العقلية: تميل العواطف والمعتقدات إلى التعبير عن نفسها بشكل إجماعي، مما يؤدي إلى العقائدية والتعصب.
  • العواطف المفاجئة: تخضع الجماهير لعواطف بسيطة وشديدة ومتغيرة.
  • الاستدلال البدائي: يعتمد الحشد في تعبيره على تفكير أولي مبسط.

أرجع لو بون سلوكيات الحشود إلى الإيحاء التنويمي؛ ففي المواقف الجماعية، لا يشعر الأفراد بالمسؤولية عن أفعالهم، وينشأ ما يشبه العدوى العقلية حيث تنتقل وتتضاعف العواطف والآراء. كما اعتبر أن وجود قادة يمثل العامل المحفز لهذا الانتشار، إذ يمارسون سحرا وجاذبية على الأعضاء.

إميل دوركايم: قوة الواقع الاجتماعي

قدم دوركايم إضاءة حاسمة حول طبيعة الاجتماعي وتفسيره. سعى إلى فهم عمل المجتمع من خلال علم جديد هو علم الاجتماع، موضوعه الخاص هو الواقع الاجتماعي، الذي عرفه بأنه «طرق في الفعل والتفكير والشعور، خارجية عن الفرد ومزودة بقوة إكراهية تفرض نفسها عليه». كما رأى أن الحياة الاجتماعية تقوم على تمثلات هي عمليات نفسية، وبالتالي فإن علم الاجتماع يبدو كعلم نفس خاص، متميز عن علم النفس الفردي.

أظهرت تحليلات دوركايم حول عمل المجتمعات من خلال دراسته الشهيرة للانتحار كيف أن الأفراد يتحدد سلوكهم بالواقع الجماعي. جمع إحصائيات الانتحار في عدة دول أوروبية خلال القرن التاسع عشر، وميز بين:

  • الانتحار الأناني: ناتج عن درجة فردانية مرتفعة وضعف الاندماج الاجتماعي.
  • الانتحار الإيثاري: ناتج عن إكراه اجتماعي شديد وفردانية ضعيفة جدا.

أثبت دوركايم أن فعلا فرديا مثل الانتحار يجد تفسيره في فشل المؤثرات الاجتماعية، وخصوصا المؤسسات، التي تعمل بوساطة القواعد الاجتماعية التي تخلق تناغما بين الوظائف الاجتماعية. أكد أن المجتمع لا يمكن اختزاله إلى الأفراد الذين يؤلفونه، بل يعمل وفق قوانين خاصة به.

سيغموند فرويد: اللاشعور والروابط العاطفية

على الرغم من أن أعمال فرويد لم تتناول علم النفس الاجتماعي مباشرة، إلا أنها قدمت إضاءات خاصة لفهم الظواهر الاجتماعية. بدأ فرويد بتعريف علم النفس بأن «الآخر يلعب دوما في حياة الفرد دور نموذج أو موضوع أو شريك أو خصم. ولهذا يبدو علم النفس الفردي منذ البداية، وبطريقة ما، علما اجتماعيا بالمعنى الموسع ولكن المبرر تماما للكلمة».

حلل فرويد شكلين من التنظيمات الجماعية، هما الكنيسة والجيش، مطبقا مفهوم الليبيدو (الطاقة الرغبوية) ليفسر كيفية عملها. العلاقات الاجتماعية والمؤسسية هي علاقات ليبيدوية، أي قائمة على اتجاهات وجدانية. لكن في المواقف الجماعية، يجب تسامي هذا البعد.

كشف فرويد عن آليتين أساسيتين:

  • التعلق البدائي بالقائد: يحب القائد لأنه يمثل مثالة الأعلى (idéal du moi) لدى الأعضاء، ويميل الأعضاء إلى التماهي مع هذا القائد نموذجا.
  • التماهي المتبادل بين الأعضاء: إذ يعتبرون أنفسهم متساوين وإخوة.

وهكذا، قدم فرويد تفسيرا للعمل الجماعي باستخدام مفاهيم صاغها أصلا لتحليل الأداء النفسي الفردي، مثل التماهي الذي يعتبر آلية مؤسسة للروابط الاجتماعية.

علم النفس الاجتماعي بين المقاربتين: النفسية والسوسيولوجية

تشكل علم النفس الاجتماعي كنتيجة لكل هذه التأثيرات، لكنه ظل محصورا في بداياته في نموذج ثنائي (فرد/مجتمع)، مما جعله يحتجز إما في شبكة تفسير نفسية أو سوسيولوجية. وفقط بشكل تدريجي، تحقق تحديد علم النفس الاجتماعي حول موضوع خاص به، يربط بين القطبين اللذين بني عليهما.

لماذا ندرس تاريخ علم النفس الاجتماعي اليوم؟

تظهر لنا هذه الجولة التاريخية أن علم النفس الاجتماعي لم يولد في فراغ، بل هو نتاج تطور الأفكار حول الإنسان والعقل والمجتمع. فهم هذه الجذور يساعدنا على تقدير كيف تعامل المفكرون الأوائل مع أسئلة ما زالت تهمنا اليوم: لماذا نغير سلوكنا في وجود الآخرين؟ كيف تشكل الجماعات معتقداتنا؟ وما حدود تأثير السلطة على طاعتنا؟

بين النماذج الفلسفية للإنسان العاقل أو البيولوجي أو النفسي، وبين رؤى الرواد الذين رأوا في التقليد أو الإيحاء أو الواقع الاجتماعي أو الليبيدو مفتاحا لفهم السلوك الاجتماعي، نجد أنفسنا أمام إرث غني ومتنوع. لقد أسهم كل هؤلاء المفكرين في تشكيل علم النفس الاجتماعي كحقل يدرس العلاقات بين الفرد والمجتمع، بطريقته العلمية الخاصة، التي تجمع بين التحليل النظري والتجريب الميداني.

في المقالات القادمة، سنتعمق أكثر في هذه المفاهيم ونرى كيف تطورت لتصبح الأدوات التي تستخدمها اليوم لفهم حياتك اليومية وعلاقاتك مع الآخرين.

💡 تأمل سريع: في المرة القادمة التي تجد فيها نفسك متفقا مع رأي مجموعة رغم شكوكك الداخلية، أو عندما تشعر بحماسة عارمة في حشد رياضي أو سياسي، تذكر جذور علم النفس الاجتماعي التي كشفت لنا كيف تعمل هذه الآليات في أعماقنا.

قائمة المراجع
  1. Le Bon, G. (1895). La Psychologie des foules. Paris: PUF. (Nouvelle édition, 1963).
  2. Durkheim, E. (1897). Le Suicide, étude sociologique. Paris: PUF, 1960.
  3. Freud, S. (1921). Psychologie collective et analyse du moi (Essais de psychanalyse). Paris: Payot, 1970.
  4. Moscovici, S. (1981). L’Âge des foules. Paris: Fayard.
  5. Comte, A. (1830-1842). Cours de philosophie positive. Paris: Bachelier.

روابط مهمة

جمعية علم النفس الأمريكية (APA) – تاريخ علم النفس الاجتماعي
موسوعة بريتانيكا – علم النفس الاجتماعي
المنظمة العالمية للصحة – تقارير عن العنف والصحة النفسية (ذات صلة بتطبيقات علم النفس الاجتماعي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى