القلق والصدمة النفسية: العيش في خوف دائم أو التحرر من أشباح الماضي؟

في عالم علم النفس الحديث، عندما نحاول تفكيك شيفرة القلق والصدمة النفسية، نجد أنفسنا أمام حقيقة بيولوجية ونفسية معقدة. يمكننا أن نفترض، وبثقة علمية كبيرة، أن شيئا ما في تاريخ الأشخاص شديدي القلق قد تضرر. وتحديدا، تلك القطعة الدقيقة من معداتنا العقلية المصممة للتمييز بين الخطر المتواضع والخطر الشديد قد تعرضت لضربة قوية. هؤلاء الأشخاص، في مرحلة ما من حياتهم، تلقوا فزعة أو رعبا شديدا لدرجة أن كل شيء بعد ذلك أصبح مخيفا.

بالنسبة للشخص المصاب بصدمة غير معالجة، يصبح كل تحد بسيط نذيرا بالنهاية. تختفي التدرجات الرمادية من الحياة؛ فلا يوجد مشكلة صغيرة ومشكلة كبيرة، بل يصبح كل شيء تهديدا وجوديا. الحفلة التي لا تعرف فيها أحدا، إلقاء خطاب أمام الزملاء، أو حتى محادثة صعبة في العمل.. كل هذه المواقف تضع الوجود بأسره موضع تساؤل. باختصار، يصبح كل يوم تقريبا بمثابة أزمة حياة أو موت.

في هذا المقال سنغوص في أعماق العلاقة بين القلق والصدمة النفسية، مستخدمين استعارات توضيحية، ومستندين إلى نظريات التحليل النفسي وعلم الأعصاب، لنفهم كيف تحفر الصدمة أخاديد الخوف في عقولنا، وكيف يمكننا، عبر الوعي والتمارين النفسية، أن نعيد برمجة عقولنا نحو الطمأنينة.

تشريح الخوف: استعارة الدب وجهاز الإنذار المعطل

القلق، في جوهره، جزء لا يتجزأ من التجربة البشرية. إنه ضيف ثقيل يزور كل حياة تقريبا، وفي جرعاته الطبيعية، يلعب دورا حيويا في حمايتنا وتنبيهنا للمخاطر. ولكن، في بعض الحيوات، يتجاوز هذا القلق حدوده الطبيعية ليصبح عقابا مستمرا وغير مبرر. هنا ننتقل من القلق العادي إلى مساحة أكثر تعقيدا وعمقا، حيث يصبح التساؤل ملحا: ما الذي يفسر هذا القلق المستمر وعالي المستوى الذي يتجاوز مجرد التوتر العابر؟

لفهم الديناميكية المعقدة بين القلق والصدمة النفسية، دعونا نلجأ إلى استعارة مجازية قوية. تخيل أنك في لحظة تكوينية حساسة من حياتك (غالبا في الطفولة)، حيث كنت غير مستعد تماما وتفتقر إلى الموارد النفسية للتعامل مع الخطر، واجهت دبا.

لم يكن هذا الدب مجرد حيوان؛ بل كان تجسيدا للرعب المطلق. كان هائجا، ضخما، ويهدد بتدمير كل شيء. كان موقفا يفوق قدرة العقل على الاستيعاب، ومروعا بشكل يتحدى الإدراك. نتيجة لهذا اللقاء الصادم، تعطل جهاز الإنذار الداخلي لديك (ما يعرف في علم الأعصاب باللوزة الدماغية أو Amygdala) واستقر في وضعية التشغيل (ON) بشكل دائم. لقد علق الزر هناك، ولم يعد ينطفئ أبدا.

لماذا يفشل المنطق أمام الصدمة؟

من هنا، ندرك عدم جدوى محاولة تهدئة الشخص المصدوم بعبارات منطقية عابرة. لا جدوى من إخبار هذا الشخص بأنه لا توجد دببة في الجوار الآن، أو أن هذا ليس موسم الدببة، أو أن معظم الدببة لطيفة. هذا الكلام سهل بالنسبة لك، أنت الذي لم تستيقظ يوما على دب أشيب عملاق يحدق فيك بأنياب بارزة ومخالب مفتوحة للقتل.

إن النتيجة المباشرة لهذا اللقاء مع الدب هي التزام غير واعي بما يسميه علماء النفس التعميم الكارثي(Catastrophic Generalization). الشخص الذي يعاني من آثار القلق والصدمة النفسية لا يخاف من الدببة فقط، بل يتمدد خوفه ليشمل كل الكلاب، الأرانب، الفئران، والسناجب. بل يتجاوز ذلك ليخاف من جميع مواقع التخييم، وجميع الأيام المشمسة، وحتى الأشياء المرتبطة بالحدث عرضيا، مثل حفيف الأشجار في الريح، أو رائحة القهوة التي كانت تعد قبل ظهور الدب بقليل.

فقدان القدرة على التمييز

هنا يكمن لب المشكلة: العقل القلق جدا يفقد القدرة على إجراء التمييزات المنطقية. إنه يفقد القدرة على تصنيف التهديدات بدقة. بالنسبة للدماغ المصدوم، فإن صوت مدير العمل الغاضب (محفز بسيط) يرسل نفس الإشارات الكيميائية العصبية التي يرسلها وجود مفترس حقيقي (خطر مميت). هذا الخلل في التصنيف هو ما يجعل الحياة اليومية جحيما لا يطاق من التوتر المستمر.

الجذور الخفية: كيف تتشكل الصدمة في الطفولة؟

عند الحديث عن القلق والصدمة النفسية، يجب أن نعود إلى الجذور. الصدمة النفسية (Trauma) يمكن تعريفها بأنها حدث سلبي ساحق لدرجة أن المرء لا يستطيع فهمه أو معالجته أو تجاوزه بشكل صحيح. ولكن الجانب الشيطاني في الصدمة هو أننا غالبا لا نستطيع تذكرها بسهولة أو التفكير في طبيعتها وتأثيراتها علينا. إنها تسكن في داخلنا، في الجسد واللاوعي، لكنها تظل مخفية عنا، ولا تعلن عن وجودها إلا من خلال الأعراض والآلام، مغيرة إحساسنا بالواقع دون أن تنبهنا لعملياتها السرية.

هشاشة الطفولة ودور مقدمي الرعاية

من المتوقع أن يحدث الكثير من الصدمات النفسية في الطفولة. الأطفال معرضون بشكل خاص للصدمة لأنهم غير قادرين فطريا (بيولوجيا ونفسيا) على فهم أنفسهم أو العالم بشكل جيد. هم يعتمدون بدرجة غير عادية على الوالدين الذين قد يكونون في كثير من الأحيان أقل نضجا أو صبرا أو توازنا مما تتطلبه المهمة.

يمكن تصنيف مصادر صدمات الطفولة التي تؤدي إلى القلق والصدمة النفسية في المستقبل إلى عدة فئات:

  1. الاكتئاب الوالدي: قد يصدم الطفل بوالد أصبح – ليس بخطأ منه – مكتئبا بشدة بعد الولادة، مما يحرم الطفل من التواصل العاطفي الحيوي (Mirroring).
  2. العنف والغضب: التعرض لغضب الوالدين العارم أو العنف الجسدي واللفظي يخلق بيئة من الرعب الدائم.
  3. الإهمال (Neglect): هذه هي الفئة الأوسع والأكثر براءة ظاهريا، لكنها الأكثر ضررا. الإهمال يعني أنه في سن حرجة (بين الولادة وخمس سنوات، وخاصة في الأشهر الثمانية عشر الأولى)، لم يتم احتضان الطفل، أو تهدئته، أو مواساته، أو حبه بالشكل الكافي.

في علم النفس، وتحديدا نظرية التعلق (Attachment Theory)، يعتبر غياب الأمان العاطفي نوعا من الموت النفسي للطفل. عندما يبكي الرضيع ولا يجد استجابة، لا يفكر عقله أمي مشغولة، بل يفسر جهازه العصبي ذلك على أنه أنا متروك للموت. هذا الشعور بالفناء يترسب في العقل اللاواعي ويتحول لاحقا إلى قلق عام مزمن.

أعراض الصدمة: حينما يكون الخوف هو العنوان

العرض الرئيسي للصدمة هو الخوف. الأشخاص المصدومون هم، قبل كل شيء، خائفون. لكن مما يخافون؟

قائمة المخاوف لدى من يعانون من القلق والصدمة النفسية لا حصر لها، وتشمل:

  • الخوف من التقرب من الآخرين (الحميمية).
  • الخوف من الهجر والوحدة.
  • الخوف من الإذلال والعار.
  • الخوف من المرض وفقدان السيطرة الجسدية.
  • الخوف من السفر، الحفلات، وحتى من أجسادهم وعقولهم.

إرث الرعب المنسي

إن إرث التعرض للصدمة هو الرهبة (Dread)؛ وهي ذكرى لا واعية، منسية، ولا يمكن تسميتها، عن رعب وخوف تم إسقاطه نحو الخارج، نحو المستقبل.

وكما لاحظ المحلل النفسي الشهير دونالد وينيكوت (Donald Winnicott) ببراعة: الكارثة التي يخشى المرء حدوثها قد حدثت بالفعل.

هذه الجملة هي مفتاح الشفاء. إنها تعني أن الرعب الذي نتوقع حدوثه غدا هو في الحقيقة صدى لشيء حدث بالأمس البعيد. لذلك، ومن أجل معرفة جوهر ما حدث لنا منذ فترة طويلة، لا ينبغي أن نسأل أنفسنا كثيرا عن الماضي (لأننا لن نتمكن من تذكره بشكل مباشر غالبا)، بل يجب أن نسأل عن ما نخاف أن يحدث لنا في المستقبل. مخاوفنا وتوقعاتنا السيئة تحمل أفضل الأدلة على تاريخنا المفقود.

العمى النفسي: لماذا لا ندرك أننا مصدومون؟

من الأمور الحاسمة والمثيرة للدهشة في رحلة فهم القلق والصدمة النفسية، أنه قد يستغرق الأمر وقتا طويلا جدا قبل أن يدرك الأشخاص المصدومون أنهم كذلك.

أحد النتائج الرئيسية للصدمة هو عدم وجود ذاكرة نشطة لما كان مؤلما. العقل البشري يمتلك آلية دفاعية تسمى الكبت (Repression) أو الانفصال (Dissociation)، حيث يقوم بفصل المشاعر عن الذاكرة لحماية النفس.

تشويه الواقع

نتيجة لذلك، لا يمتلك الشخص المصدوم أي إحساس بمدى تشويه صورته للواقع الآن.

  • الأشخاص المصدومون لا يتجولون وهم يفكرون: أنا خائف بشكل غير طبيعي. بل يفكرون: العالم مكان مرعب، وهذه هي الحقيقة.
  • لا يلاحظون إحساسهم المتدني للغاية بقيمة الذات؛ بل يفترضون فقط أن الآخرين من المحتمل أن يسخروا منهم ويكرهوهم.
  • لا يدركون مدى عدم ارتياحهم للحميمية؛ بل يكتفون بالقول إنهم ليسوا سعداء في هذه العلاقة أو تلك.

بعبارة أخرى، الصدمة تلون رؤيتنا للواقع، ولكنها في الوقت نفسه تمنعنا من ملاحظة العدسة المشوهة التي ننظر من خلالها إلى الحياة. نحن نعتقد أننا نرى الحقيقة، بينما نحن نرى مخاوفنا المسقطة على الجدران.

رحلة الشفاء: التشكيك في الحواس واستعادة السيطرة

كيف نبدأ في حفر طريق للخروج من الرمال المتحركة للقلق؟ نحن – القلقون جدا – بحاجة إلى القيام بشيء من المرجح أن يبدو مصطنعا وربما متعاليا أيضا.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم – في بعض الأحيان – عدم الثقة في حواسنا تماما. هذه الحواس، التي تعد أدلة رائعة للحياة في الظروف الطبيعية، يجب أن ينظر إليها أيضا على حقيقتها في ظل القلق والصدمة النفسية: إنها أدوات غير موثوقة للغاية، قادرة على إعطاء قراءات خاطئة وتدمير حياتنا.

الطيار الآلي في الضباب

نحن بحاجة إلى إقامة تمييز حازم بين المشاعر والواقع. يجب أن ندرك أن الانطباع ليس تنبؤا، والخوف ليس حقيقة.

علينا أن نكون مثل طيار لطائرة متطورة يهبط في ضباب كثيف معتمدا على الطيار الآلي. قد تخبره حواسه وغريزته أن اصطداما مروعا وشيك، وأن الأرض أقرب مما يجب، لكن عقله المنطقي وأجهزة الطائرة تخبره أن الحسابات قد أجريت بشكل صحيح، وأن هبوطا سلسا، على الرغم من الظلام والاهتزازات المروعة، على وشك الحدوث.

الحوار الداخلي العلاجي

يجب أن يعامل أحد جوانب العقل الجانب الآخر بـ شك لطيف وقوي:

  • أنا أعلم أنك متأكد من وجود دب هناك (في تلك الحفلة، في مقال الجريدة ذاك، في اجتماع المكتب ذلك). ولكن هل يوجد واحد حقا؟ حقا حقا؟

ستصرخ العاطفة بـ نعم! وكأن حياة المرء تعتمد عليها. لكننا كنا هنا من قبل، ونحتاج، بصبر لا متناه، للسماح للصراخ بالاستمرار قليلا – وتجاهله تماما. يكمن العلاج في مراقبة الذعر وهو يتكشف ورفض الانخراط في يقينياته الظاهرة. هذا ما يعرف في العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وعلاجات اليقظة (Mindfulness) بفك الارتباط عن الأفكار.

إعادة توطين الدب: تمرين عملي للتعافي

للتحسن، وهو ما يعني حقا التوقف عن الخوف من الدببة في كل مكان، نحتاج إلى قضاء المزيد من الوقت في التفكير في الدب المحدد الذي رأيناه ذات مرة. الدافع الغريزي للقلق هو التركيز دائما على الخوف من المستقبل. لكننا نحتاج بدلا من ذلك إلى توجيه عقولنا للعودة إلى الماضي – وإعادة زيارة مشاهد مؤلمة معينة بتعاطف وبصحبة لطيفة (سواء مع معالج أو صديق حكيم).

نتيجة عدم معرفة تفاصيل ما أخافنا ذات مرة هو الخوف من كل شيء في المستقبل اللانهائي.

  • ما نوع الدب الذي كان؟
  • ماذا فعل بنا؟
  • كيف شعرنا؟

نحن بحاجة إلى إعادة توطين (Relocalise) و إعادة ترحيل (Repatriate) الدب، للتعرف عليه كشبح حدث في نقطة واحدة في مكان واحد، حتى يتوقف عن مطاردتنا في كل مكان طوال الوقت.

تمرين الصدمة (Trauma Exercise)

العرض الرئيسي لـ القلق والصدمة النفسية هو التعرض للتعذيب اليومي بشعور بـ الكارثة الوشيقة. يبدو أن شيئا فظيعا على وشك الحدوث لنا:

  • سنهجر ونترك وحدنا.
  • سنخجل ونهان.
  • سيتم السخرية منا علنا.
  • سنفقد السيطرة الجسدية على أنفسنا.
  • سينظر إلينا كفاشلين، غريبي الأطوار أو وحوش.

يؤدي الخوف من مثل هذه الكوارث الوشيقة إلى حالة من التيقظ المفرط (Hypervigilance)، حيث نكون في حالة تأهب دائم، قلقين بشكل دائم، خائفين بشكل دائم، وغير سعداء حقا بشكل دائم.

كيفية كسر الجمود

طريقة واحدة لكسر هذا الجمود هي محاولة العودة إلى الكارثة التي تم نسيانها والتي تجعلنا مرضى بالقلق. إذا أردنا للمستقبل أن يصبح أكثر إشراقا، فسنحتاج إلى تذكر الكارثة وتحديد مكانها حيث تنتمي حقا: بأمان، ولكن أيضا بشكل مؤثر ومأساوي، في الماضي.

من الغريب أننا نسينا الكارثة. لكن هذه هي النقطة مع الصدمة؛ إنها تختفي من الذاكرة لأنها مؤلمة جدا بحيث لا يمكن الاحتفاظ بها في الوعي النشط.

للبدء في السيطرة على الصدمة، يمكننا هندسة عكسية (Reverse Engineer) لصورة ما حدث منذ زمن بعيد.

التمرين:

تخيل ملء جدول بسيط. ابدأ بالعمود الأيمن أولا (مخاوف المستقبل)، ثم حاول استنتاج العمود الأيسر (حقائق الماضي).

ما نخشى حدوثه في المستقبل (الخوف الحالي)ما حدث بالفعل في الماضي (الكارثة الأصلية)
أخشى أن يتركني شريكي فجأة وأصبح وحيدا تماما.في طفولتي، تركت وحيدا لفترات طويلة دون رعاية، أو هجرني أحد الوالدين عاطفيا أو جسديا.
أخشى أن أرتكب خطأ بسيطا في العمل ويطردوني ويحتقروني.كنت أتعرض لعقاب شديد وغير متناسب وسخرية عند ارتكاب أي خطأ بسيط في المنزل أو المدرسة.
أشعر أن الجميع ينظر إلي وكأنني غريب أطوار أو وحش.تم إشعاري في طفولتي بأنني سيء، مزعج، أو عبء على العائلة، مما رسخ شعورا داخليا بالخزي.
أخاف من فقدان السيطرة والصراخ أو الانهيار أمام الناس.شهدت في طفولتي نوبات غضب عارمة وفقدان للسيطرة من قبل البالغين، مما جعل التعبير عن المشاعر يبدو خطيرا ومدمرا.

منطق التمرين يملي علينا أنه يجب، لكل إدخال في مخاوف المستقبل، أن نكون قادرين في النهاية على التفكير في إدخال مطابق في الماضي. إخراج هذا إلى السطح من المرجح أن يكون صعبا للغاية. لا يمكن للمرء القيام بذلك بالأمر. يتطلب الأمر وقتا، ظروفا مريحة جدا، ربما موسيقى هادئة، رحلة قطار طويلة، أو محادثة عميقة مع معالج.

ولكن، في النهاية، من المرجح أن تظهر بعض الذكريات، جنبا إلى جنب مع الكثير من الحزن و(بشكل مثالي) التعاطف مع الذات.

  • لن يتم الكشف عنك كوحش؛ بل ستدرك أنك جعلت تشعر وكأنك وحش.
  • أنت لست على وشك أن تهجر؛ بل أنت قد هجرت بالفعل في الماضي.

الخاتمة:

إن الوصول إلى مرحلة الشفاء من القلق والصدمة النفسية يتطلب إدراكا عميقا للفرق بين الطفل الذي كنته والبالغ الذي أنت عليه الآن.

هذا لا يعني أنه لا يوجد أبدا أي شيء يدعو للخوف في الحاضر. ولكن علينا أن نرسم تمييزا بين الرعب المطلق والخوف الطبيعي. هناك أشياء نخاف منها في هنا والآن، لكن هذه ليست أشياء يجب أن نكون مرعوبين منها – ولسبب مركزي واحد: لأننا بالغون.

من امتيازات البالغين أن يكون لديهم حرية أساسية، ووكالة، واستقلال. يمكننا اتخاذ إجراءات، إذا حدثت لنا أشياء سيئة، بطريقة لم يستطع الأطفال المصدومون القيام بها أبدا. الطفل عاجز كليا ويعتمد في بقائه على والديه، لذا فإن غضب الوالد هو تهديد للموت. أما البالغ، فيمكنه المغادرة، يمكنه الرد، يمكنه طلب المساعدة، ويمكنه حماية نفسه.

قد تصبح الحياة صعبة جدا بالنسبة لنا، لكننا لا نحتاج أبدا أن نكون مرعوبين منها كما كنا عندما وقعت الكارثة الأصلية.

على الأرجح، لن يحدث أبدا أي شيء سيء بالقدر الذي خشيناه. ليس لأننا محظوظون، ولكن لأننا كنا سيئي الحظ جدا في الماضي – وهذا الحظ السيئ القديم، بدلا من شيء في العالم الحقيقي اليوم، هو ما يقودنا لنكون خائفين جدا وبشكل غير عادل وقاس من العيش اليوم.

الخطوة التالية لك:

مع الاستكشاف الكافي للماضي، يمكن نقل رعب ما هو قادم إلى فئة الصدمة التاريخية حيث ينتمي حقا. الشفاء من القلق والصدمة النفسية هو عمل سنوات، لكن بداية النهاية تبدأ بخطوة صغيرة جدا: إدراك أننا قد نكون في الواقع مصدومين، وأن العالم قد لا يكون المكان المظلم والساحق والمليء بالرعب الذي افترضنا دائما أنه يجب أن يكون. ابدأ اليوم بمراقبة مخاوفك، واسأل نفسك برفق: من أين يأتي هذا الصوت؟ هل هو صوتي البالغ اليوم، أم صوت الطفل الخائف من الأمس؟.

اترك تعليقاً