المثيرات النفسية والقلق المفرط: لماذا نبالغ في ردود أفعالنا؟

هل سبق لك أن تلقيت بريدا إلكترونيا بسيطا من مديرك في العمل، يحمل ملاحظة نقدية عابرة، لتجد نفسك فجأة غارقا في شعور عارم بأن مستقبلك المهني قد انتهى، وأن الطرد وشيك، وأن حياتك تنهار؟ أو ربما قرأت خبرا في الصحيفة فأصابك ذعر وجودي شل قدرتك على الحركة لبقية اليوم؟

إذا كانت إجابتك بـ نعم، دعني أخبرك أولا: أنت لست مجنونا، ولست وحدك.

في عالم مثالي، حيث يتمتع البشر بـ عقلانية مطلقة، ستكون ردود أفعالنا تجاه الحاضر متناسبة تماما مع حجم الحدث. سنقلق فقط بقدر ما تستدعيه الظروف الحالية، لا أكثر ولا أقل. لكننا، كبشر، كائنات معقدة تسكننا طبقات من الذكريات والمشاعر. إن ما نختبره من قلق مفرط غالبا ما يكون نتيجة لآلية نفسية عميقة تعرف بـ المثيرات النفسية (Psychological Triggers).

في هذا الدليل الشامل، سنغوص معا في أعماق النفس البشرية لنفهم لماذا تختطفنا عواطفنا، وكيف يسيطر الماضي على الحاضر، وما هي الأدوات العملية التي نستخدمها في العيادة النفسية لمساعدتك على استعادة مقود حياتك.

التشريح النفسي للموقف: لماذا لسنا عقلانيين تماما؟

لنفهم ما يحدث، يجب أن نتخلى قليلا عن فكرة أننا كائنات منطقية بحتة. الحقيقة العلمية تؤكد أننا كائنات عاطفية تفكر، ولسنا آلات تفكير تشعر.

البرمجة المسبقة (Wiring by Precedent)

الدماغ البشري هو عضو كسول بطبعه؛ فهو يعشق الأنماط والاختصارات. بدلا من إجراء تقييم محايد وموضوعي (Dispassionate Evaluation) لكل موقف جديد نواجهه، يعود الدماغ إلى أرشيفه الضخم. نحن مبرمجون للشعور والاستجابة بناء على السوابق (Precedents).

عندما تواجه موقفا ضاغطا، لا يسأل دماغك: ما هي حقائق هذا الموقف الحالي؟، بل يسأل: متى شعرت بهذا الشعور من قبل؟ وكيف تصرفت حينها؟. وهنا تكمن المعضلة.

الفخ: السير على قضبان الماضي

معظمنا يحمل في جعبته مسارات عاطفية (Emotional Tracks) تم رصفها في الماضي البعيد، وتحديدا في مرحلة الطفولة. في تلك المرحلة، ربما كنا ضحايا لتجارب مؤلمة بشكل غير عادي، أو مواقف شعرنا فيها بالعجز التام.

  • مثال: طفل تعرض للنقد القاسي والصراخ كلما سكب الحليب، قد ينمو ليصبح بالغا يصاب بنوبة هلع (Panic Attack) إذا ارتكب خطأ بسيطا في تقرير العمل.

نحن نقوم بعمليات استقراء (Extrapolations) سوداوية وسريعة جدا. الموقف الحالي يستحضر استجابة تم تشكيلها لمواجهة خطر ماض قد نسينا تفاصيله، لكن جسدنا لا يزال يتذكره. هذا ما نطلق عليه في علم النفس الحديث مصطلح: الاستثارة أو (Being Triggered).

المثيرات النفسية: عندما يختطف الماضي الحاضر

الاستثارة النفسية (Triggering) هي عملية معقدة وسريعة لدرجة مذهلة. إنها تشبه الضغط على زر طوارئ نووي استجابة لشم عود كبريت مشتعل.

سرعة الاختطاف العاطفي

تحدث عملية الاستثارة بسرعة لا تسمح للعقل الواعي بالتدخل.

  1. المحفز: رسالة غامضة، نظرة معينة، نبرة صوت حادة.
  2. الاستجابة الفورية: يغمر العقل بالذعر، وتغلق الملكات العقلانية (Rational Faculties) أبوابها.
  3. النتيجة: نضيع في كهوف العقل المظلمة، ونفقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والافتراض.

الوهم الخطير: أنا بخير

أخطر ما في هذه الحالة ليس فقط أننا لا نفكر بوضوح، بل أننا لا ندرك أننا لا نفكر بوضوح. نحن نخلط بين افتراضاتنا المضطربة وبين الحقائق الرصينة. الشخص المذعور نادرا ما يلاحظ ذعره في اللحظة الأولى؛ بل يصر على أنه يرى الحقيقة، بينما هو في الواقع يرى انعكاسا لمخاوفه القديمة.

قاعدة ذهبية: عندما نكون تحت تأثير المثير، بدلا من أن نأوي إلى الفراش ونعلن عدم أهليتنا لاتخاذ القرارات، نواصل الجلوس في قمرة قيادة حياتنا ونحاول توجيه الطائرة، مما يؤدي غالبا إلى قرارات كارثية.

المنشور الداخلي: كيف نرى العالم؟

نحن لا نرى العالم كما هو؛ نحن نراه كما نحن. هذه المقولة التراثية تجد صداها العميق في علم النفس الإكلينيكي.

نموذج العمل الداخلي (Internal Working Model)

كل واحد منا يقترب من العالم الخارجي عبر منشور (Prism) عالمه الداخلي. هذا العالم الداخلي يحتوي على مستودع من التوقعات التي شكلتها تواريخنا الفريدة:

  • كيف سيعاملنا الآخرون؟
  • هل العالم مكان آمن أم مهدد؟
  • ماذا سيحدث إذا اعترضت أو اشتكيت؟

عندما يتم تحفيزنا (Triggered)، فإننا نغفل عن حقيقة جوهرية: العالم الداخلي ليس هو العالم الخارجي. عالمنا الداخلي قد يحتوي على تعميمات من ماض كان أكثر قسوة وخطورة من الحاضر الذي نعيشه الآن كبالغين نمتلك القوة والموارد.

قاعدة (5 من 10): أداة للتشخيص الذاتي

كيف تميز بين القلق الحقيقي المبرر والقلق الناتج عن مثير نفسي من الماضي؟ يقدم لنا علماء النفس قاعدة تجريبية رائعة وبسيطة.

مقياس العاطفة

تخيل أن مشاعرك (الغضب أو القلق) تقاس على مقياس من 1 إلى 10.

  • الموقف: زميل يتأخر عن موعد الاجتماع 5 دقائق.
  • رد فعلك: شعور بالغضب العارم، تسرع في ضربات القلب، ورغبة في الصراخ أو البكاء (مستوى 8/10).

القاعدة تقول: إذا كانت استجابتك للقلق أو الغضب تتجاوز 5 من 10، فمن المرجح جدا أن استجابتك لا يغذيها الحدث الماثل أمامك، بل يغذيها ماض تتجاهله.

بمعنى آخر، الـ (3 درجات) هي استجابة لتأخر الزميل، والـ (5 درجات) الإضافية هي استجابة للطفل الذي بداخلك الذي شعر بالإهمال أو عدم الاحترام من والديه في الماضي. جرس الإنذار يرن، لكن ليس لسبب وجيه يتعلق بالحاضر.

تشريح الذات: نظرية الأجزاء (Internal Family Systems)

من أكثر المقاربات العلاجية التي أثبتت فعاليتها في التعامل مع المثيرات النفسية هي فهم أننا لسنا كتلة واحدة صماء. نحن لسنا أنا موحدة، بل نحن تجميع أو مزيج من أجزاء (Parts) يعود تاريخها إلى أيامنا الأولى.

من الذي يقود الحافلة الآن؟

في لحظاتنا الأكثر اضطرابا، لا يكون الجزء البالغ (The Adult Part) هو من يتعامل مع الموقف.

  • الخوف من التحدث أمام الجمهور: قد لا يكون خوفا من شخص بالغ يخشى النسيان، بل هو ذعر طفل عمره 3 سنوات يخشى الرفض والعزل الاجتماعي.
  • الغيرة المفرطة في العلاقات: قد تكون استجابة من جزء مراهق تعرض للخيانة سابقا.

المشكلة تكمن في أننا نترك تحديات الكبار (مثل التفاوض في العمل، أو العلاقات الزوجية) في أيدي أجزاء داخلية هي في الحقيقة أطفال خائفون. دون أن ندري، نسلم مقود القيادة لنسخة منا تبلغ من العمر ست سنوات!

دراسة حالة تطبيقية: كريم والبريد الإلكتروني

لنطبق ما تعلمناه على مثال واقعي (بتصرف):

الحالة: كريم، مدير تسويق ناجح، تلقى بريدا من العميل يقول: لست متأكدا من أن التصميم الأخير يعكس هويتنا. الاستجابة الفورية: شعر كريم بضيق تنفس، بدأ يتخيل سيناريوهات الطرد، شعر بالعار الشديد، وفكر في تقديم استقالته فورا لتجنب الفضيحة. (مستوى القلق 9/10).

التحليل النفسي:

  1. المثير: النقد الضمني للكفاءة.
  2. المنشور الداخلي: لدى كريم تاريخ طفولة حيث كان والده يربط الحب بالإنجاز المثالي. أي خطأ كان يعني أنت لست ابنا جيدا.
  3. الجزء المسيطر: طفل في السابعة يرتجف خوفا من عقاب الأب.
  4. الواقع الموضوعي: العميل يطلب تعديلا بسيطا، وهذا جزء طبيعي من العمل، وكريم يمتلك الكفاءة لحله.

استراتيجيات التعافي: كيف نوقف جرس الإنذار؟

الآن، وبعد أن فهمنا الآلية، كيف نتحرر؟ كيف نوقف هذا الاختطاف العاطفي؟ إليك خطوات عملية يمكنك البدء بتطبيقها اليوم:

أولا: تبني الشك الصحي (Robust Suspicion)

أفضل طريقة لتحرير أنفسنا هي رفض تصديق كل ما يخيفنا أو يغضبنا بسرعة وبشكل ساحق.

  • التكتيك: عندما تشعر بموجة قوية من المشاعر، توقف وقل لنفسك: أنا لا أثق في رد فعلي الأول. هذا الشعور قوي جدا ليكون حقيقيا بالكامل.
  • تذكر أن استجاباتنا الأولية تفتقر غالبا إلى حسابات القوة البالغة (Adult Strength). إنها تتجاهل حقيقة أننا نملك الآن موارد وخيارات ومرونة لم نكن نملكها في الماضي.

ثانيا: استنزاف الذعر (Draining the Panic)

لا تحاول التفكير أو اتخاذ قرارات وأنت في حالة استثارة.

  • التكتيك: امنح نفسك وقتا مستقطعا. مارس التنفس العميق، المشي، أو أي نشاط جسدي لتفريغ شحنة الأدرينالين. هدفك ليس حل المشكلة الآن، بل تهدئة النظام العصبي.

ثالثا: معايرة الواقع (Calibration)

بما أن بوصلتنا الداخلية معطلة مؤقتا، نحتاج إلى استعارة بوصلة شخص آخر.

  • التكتيك: ابحث عن عقل آخر غير مصاب بـ التشوه الذي تعاني منه حاليا. اسأل صديقا أو شريكا تثق به: هل يبدو لك أن العالم ينهار بسبب هذا البريد؟، هل تعتقد حقا أن الشرطة ستطرق الباب؟.
  • نحن بحاجة لمعايرة أفكارنا مقابل أفكار شخص يتمتع بمزاج أكثر اعتدالا وإنصافا في تلك اللحظة.

رابعا: الحوار مع الأجزاء (Talking to the Parts)

بدلا من أن تقول أنا خائف، حاول أن تسأل: أي جزء مني هو الخائف؟.

  • التكتيك: تخيل هذا الجزء كطفل صغير بداخلك. ماذا يحتاج هذا الطفل لسماعه ليطمئن؟ ربما يحتاج أن يسمع منك (أنت البالغ): لا تقلق، أنا هنا، أنا أملك الخبرة، لن أسمح بحدوث كارثة، وهذا مجرد بريد إلكتروني، ليس وحشا.
  • هذا الفصل بين الذات البالغة والجزء الخائف هو جوهر النضج النفسي.

الخاتمة:

إن الوصول إلى مرحلة النضج لا يعني عدم الشعور بالخوف أو القلق، بل يعني فهم ما يثيرنا ولماذا. إنه القدرة على التمييز بين جرس إنذار الحريق الحقيقي، وبين جرس خاطئ تم تشغيله بسبب غبار الماضي.

عزيزي القارئ، مهما بدا ماضيك مقنعا في سرد قصص الكوارث الوشيكة، ربما -فقط ربما- لن تكون هناك كارثة هذه المرة. ربما لست على وشك أن تقتل أو تهان بشكل لا يطاق. أنت تمتلك اليوم قدرات البالغين من أجل البقاء.

علينا أن نجرؤ على التعامل مع مثيراتنا النفسية مثل مسدس بداية السباق الذي يطلق صوتا عاليا، لكننا، ولأسباب وجيهة وراسخة، سنرفض الجري خوفا بسببه. بدلا من ذلك، سنقف، نتنفس، ونختار الطريق الذي نريد أن نسلكه بوعي تام.

المراجع

  1. Van der Kolk, B. A. (2014). The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma. Viking.
  1. Schwartz, R. C. (2021). No Bad Parts: Healing Trauma and Restoring Wholeness with the Internal Family Systems Model. Sounds True.
  2. Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Basic Books.

روابط خارجية

  1. للمزيد عن نظرية أنظمة العائلة الداخلية (IFS): معهد أنظمة العائلة الداخلية (IFS Institute)
  2. فهم أعمق لآلية القلق وتأثيره على الدماغ: جمعية القلق والاكتئاب الأمريكية (ADAA)

اترك تعليقاً