تطوير التفكير و الوعي الذاتي

المرونة العاطفية: التحرر من الجمود الفكري

المرونة العاطفية : (Emotional Agility) يعتبر “الذكاء العاطفي الجديد” أو المهارة الأهم للنجاح في القرن الحادي والعشرين. في هذا المقال، سنغوص في هذا المفهوم سنستكشف كيف أن التحرر من الجمود والصلابة، وتبني المرونة، لا يساعدنا على النجاة من العواصف فحسب، بل يمكننا من الازدهار في خضمها.

وهم السيطرة، وقصة البارجة العنيدة

منذ سنوات، في عصر مضى، كان قبطان بارجة حربية بريطانية مهيبة يدعى “ديفاينت” (Defiant – العاصية أو العنيدة)، يقف على جسر سفينته التي تزن 35 ألف طن، يراقب غروب الشمس. وبينما كان يستعد للنزول لتناول العشاء، ناداه ضابط المراقبة: “سيدي، ضوء أمامنا مباشرة، على بعد ميلين”.

سأل القبطان بصرامة: “هل هو ثابت أم متحرك؟”. أجاب الضابط: “ثابت، سيدي”.

أدرك القبطان أن هذا يعني وجود سفينة أخرى في مساره، فأمر: “أرسل لهم إشارة: أنتم في مسار تصادمي. غيروا مساركم 20 درجة”.

جاء الرد سريعا ومفاجئا: “ننصحكم بتغيير مساركم 20 درجة”.

شعر القبطان بالإهانة. كيف يجرؤ أحد على تحدي سلطته أمام صغار البحارة؟ فصرخ: “أرسل ثانية: نحن البارجة (ديفاينت)، سفينة حربية تزن 35 ألف طن. غيروا مساركم 20 درجة فورا”.

جاء الرد: “عظيم يا سيدي. أنا البحار أورايلي من الدرجة الثانية. غير مسارك فورا”.

وصل القبطان إلى ذروة غضبه: “أرسل للمرة الأخيرة: نحن سفينة القيادة للأدميرال السير ويليام أتكينسون! غيروا مساركم 20 درجة!”.

ساد صمت قصير قبل أن يأتي الرد النهائي: نحن منارة يا سيدي“.

هذه القصة، سواء كانت حقيقية أم رمزية، تلخص مأزقا إنسانيا عميقا. نحن كثيرا ما نبحر في حياتنا كقبطان تلك البارجة؛ نمتلك قوة، وسلطة، وخطة، و”طريقة” ثابتة ننظر بها إلى العالم. وعندما تظهر “منارة” – قد تكون شعورا داخليا، أو حقيقة مزعجة، أو علاقة صعبة، أو تغييرا مفاجئا في مسارنا المهني – فإن رد فعلنا الأول هو الصراخ عليها لتغيير مسارها، بدلا من تعديل مسارنا نحن.

نحن نفتقر إلى رادارات خارجية ترصد العقبات الخفية في علاقاتنا أو وظائفنا. لكننا نملك نظاما ملاحيا داخليا أكثر تطورا: مشاعرنا. الخوف، القلق، الفرح، الحب، الغضب… هي ليست مجرد إزعاجات يجب قمعها، بل هي “منارات” بيولوجية تطورت عبر ملايين السنين لتكون نظام استجابتنا الفوري لإشارات العالم الخارجي.

المشكلة أننا، مثل القبطان، نتعامل مع هذه المنارات الداخلية بعناد. نحاول قمعها، تجاهلها، أو “التفكير بإيجابية” لنتجاوزها. وهذا العناد هو ما نسميه الجمود العاطفي.

الجمود العاطفي: حين نصبح أسرى عاداتنا الذهنية

قبل أن نبني المرونة، يجب أن نفهم عدوها الأول: الجمود العاطفي (Emotional Rigidity).

الجمود العاطفي هو حالة “التعليق” أو “التشابك” (Getting Hooked). إنه تلك اللحظة التي تسيطر فيها أفكارنا، أو مشاعرنا، أو قصصنا الداخلية، أو عاداتنا السلوكية علينا، وتملي علينا استجابات لا تخدم مصالحنا العليا.

هل سبق لك أن:

  • وجدت نفسك تتفاعل مع موقف حالي (مثل نقد بسيط من مديرك) بغضب لا يتناسب مع الموقف، لأن هذا النقد لمس وترا حساسا يعود لسنوات الطفولة؟
  • قررت اتباع حمية غذائية، ولكنك وجدت نفسك تأكل بشراهة عند أول شعور بالتوتر، وكأنك تعمل على “طيار آلي”؟
  • تجنبت فرصة كبيرة (كمخاطبة الجمهور) لأن صوتا داخليا ظل يكرر: “أنا لست جيدا بما فيه الكفاية” أو “سأفشل بالتأكيد”؟

هذه كلها مظاهر للجمود العاطفي. نحن لا نتصرف بوعي، بل “يتم التصرف بنا” بواسطة برمجياتنا القديمة.

قصة الطفلة التي دارت حول المربع

تروي الدكتورة سوزان ديفيد، الرائدة في هذا المجال، قصة طريفة وعميقة من طفولتها. عندما كانت في الخامسة من عمرها، قررت “الهروب” من المنزل بعد خلاف مع والديها. حزمت حقيبتها الصغيرة، وأخذت بعض زبدة الفول السوداني، وارتدت حذاءها المفضل، وانطلقت.

كان والداها قد حذراها مرارا وتكرارا، تحت أي ظرف من الظروف، من عبور الشارع المزدحم بالقرب من منزلهم بمفردها.

عندما وصلت إلى زاوية الشارع، أدركت أن المضي قدما في “مغامرة الهروب” يتطلب كسر هذه القاعدة المطلقة. ماذا فعلت؟ كطفلة مطيعة تتبع القواعد الجامدة، استمرت في السير حول المربع السكني لمنزلها. مرة، تلو المرة، تلو المرة. لعدة ساعات، كانت “تهرب” من المنزل وهي تمر أمام بوابته الرئيسية كل بضع دقائق، لأنها كانت عالقة في قاعدة “لا تعبري الشارع”.

نحن جميعا نفعل هذا. ندور حول “مربعاتنا السكنية” في الحياة، نطيع قواعد قديمة، مكتوبة أو متخيلة، لم تعد تخدمنا. نحن “نهرب” من وظيفة نكرهها بالبقاء فيها والشكوى منها (دون عبور الشارع نحو المجهول). نحن “نريد” علاقات صحية بينما نكرر نفس الأنماط السامة (الدوران حول نفس المربع).

تكلفة الجمود في عالمنا الحديث

المشكلة أن العالم الحديث يفاقم هذا الجمود. نحن نعيش في حالة من “الحمل الزائد” (Overload). متطلبات العمل، الأسرة، الضغوط المالية، والتكنولوجيا التي تشتت انتباهنا باستمرار.

استجابتنا الافتراضية لهذا الحمل الزائي هي “تعدد المهام” (Multitasking)، والذي أثبتت الدراسات أن تأثيره على الأداء يشبه تأثير القيادة تحت تأثير الكحول.

عندما نشعر بالسوء، يلجأ الكثيرون منا إما إلى الكبت (محاولة دفن المشاعر) أو إلى الاجترار (الغرق في التفكير في المشكلة مرارا وتكرارا). وتشير الأبحاث بوضوح إلى أن الجمود العاطفي – أي التعلق بالأفكار والمشاعر والسلوكيات التي لا تخدمنا – يرتبط ارتباطا وثيقا بمجموعة من العلل النفسية، بما في ذلك الاكتئاب والقلق.

لماذا “التفكير الإيجابي” القسري لا يعمل؟

في مواجهة هذا الجمود، ماذا يقدم لنا “سوق المساعدة الذاتية”؟ في كثير من الأحيان، يقدم لنا وصفة “التفكير الإيجابي”. قيل لنا: “فقط كن سعيدا”، “انظر إلى الجانب المشرق”، “غير أفكارك السلبية إلى إيجابية”.

لكن دعنا نواجه الحقيقة: هذا لا يعمل، بل قد يأتي بنتائج عكسية.

محاولة إجبار نفسك على التفكير بإيجابية (“سأنجح في هذا العرض التقديمي”) عندما يكون كل ما تشعر به هو الخوف (“سأفسد الأمر”)، يخلق صراعا داخليا هائلا.

  1. إنه يكذب واقعنا: عندما نقول لأنفسنا “أنا لست قلقا” بينما قلبنا يخفق، فإننا نرسل رسالة لدماغنا بأن نظامنا الداخلي (مشاعرنا) غير جدير بالثقة.
  2. إنه يضخم السلبية: الأبحاث تظهر أن محاولة قمع فكرة (مثل “لا تفكر في الدب الأبيض”) تجعلنا نفكر فيها أكثر. محاولة قمع القلق تجعلنا أكثر قلقا بشأن كوننا قلقين.
  3. إنه يتجاهل وظيفة المشاعر “السلبية“: مشاعرنا التي نسميها “سلبية” (الحزن، الغضب، الخوف) هي جزء طبيعي وأساسي من التجربة الإنسانية. إنها بيانات.
    • القلق هو نظام إنذار مبكر للمستقبل.
    • الحزن هو استجابة للخسارة، ويربطنا بما نهتم به.
    • الغضب هو استجابة للظلم أو انتهاك الحدود.

السلبية أمر طبيعي. محاولة استئصالها يشبه محاولة العيش بدون الشعور بالألم الجسدي؛ قد يبدو الأمر جيدا نظريا، لكنه كارثي عمليا، لأنك لن تعرف متى ترفع يدك عن موقد ساخن.

المرونة العاطفية لا تتعلق بفرض السعادة، بل تتعلق بفتح مساحة لكل مشاعرنا – الإيجابية والسلبية – والتعلم منها، دون السماح لها بقيادة الدفة.

ما هي المرونة العاطفية (Emotional Agility)؟

الآن نصل إلى جوهر الموضوع.

المرونة العاطفية هي عملية تتيح لك أن تكون حاضرا في اللحظة، وتسمح لك بتغيير أو الحفاظ على سلوكياتك بوعي، لتعيش بطرق تتوافق مع نواياك وقيمك الجوهرية.

إنها ليست السيطرة على أفكارك. بل التوقف عن السماح لأفكارك بالسيطرة عليك. إنها “التخفف” (Loosening up)، والتهدئة، والعيش بنية أكبر.

لعل أفضل من وصف هذا المفهوم هو الطبيب النفسي الشهير فيكتور فرانكل، الناجي من معسكرات الاعتقال النازية ومؤلف كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى”، عندما قال:

“بين المؤثر والاستجابة، هناك مسافة. في تلك المسافة تكمن قوتنا لاختيار استجابتنا. وفي استجابتنا يكمن نمونا وحريتنا”.

الجمود العاطفي يعني عدم وجود “مسافة”. المؤثر (نقد المدير) والاستجابة (الانفجار غضبا) يحدثان في جزء من الثانية.

المرونة العاطفية هي القدرة على خلق تلك المسافة وتوسيعها.

الأشخاص المرنون عاطفيا ليسوا أناسا لا يشعرون بالغضب أو الحزن أو القلق. بل هم أناس يواجهون هذه المشاعر بفضول، وتعاطف مع الذات، وقبول. وبدلا من السماح لهذه المشاعر بإخراجهم عن مسارهم، فإنهم يستخدمونها كبيانات، ويوجهون أنفسهم – بكل ما فيهم من عيوب – نحو طموحاتهم الأسمى.

اعتبرتها مجلة هارفارد بزنس ريفيو (Harvard Business Review) “فكرة العام الإدارية” ووصفتها بأنها “الذكاء العاطفي القادم”، لأنها تنقلنا من مجرد “الوعي” بالمشاعر إلى “التعامل” المرن معها في عالم يزداد تعقيدا.

الركائز الأربع لبناء المرونة العاطفية

المرونة العاطفية ليست سمة نولد بها، بل هي مهارة يمكن تعلمها وممارستها. وهي تتكشف عبر أربع حركات أو ركائز أساسية.

الركيزة الأولى: الحضور الواعي (Showing Up)

هذه هي الخطوة الأولى والأكثر شجاعة. الحضور الواعي يعني التوجه نحو أفكارك ومشاعرك وسلوكياتك بفضول ولطف، بدلا من الهروب منها أو محاربتها.

معظمنا يقضي حياته في محاولة “تخدير” مشاعره الصعبة. نحن نأكل، أو نتسوق، أو نعمل لساعات أطول، أو نتصفح وسائل التواصل الاجتماعي بلا نهاية، فقط لنتجنب الشعور بالوحدة أو الملل أو الفشل.

“الحضور الواعي” هو عكس ذلك. إنه القبول بأن الحياة لا تخلو من الألم. كما تقول الكاتبة برينيه براون: “عندما نخدر مشاعرنا الصعبة، فإننا نخدر معها المشاعر الإيجابية أيضا”.

كيف تمارس “الحضور الواعي”؟

  • التوقف عن الحكم: بدلا من تصنيف مشاعرك (هذا جيد، هذا سيء)، فقط لاحظها. “أنا ألاحظ شعورا بالقلق يظهر في صدري”.
  • تطبيق قاعدة “الـ 80%”: قال وودي آلن ذات مرة إن “80% من النجاح هو مجرد الحضور”. طبق هذا على مشاعرك. لا تحاول أن تكون مثاليا في مواجهتها، فقط كن حاضرا بنسبة 80%، بفضول، وبدون أحكام قاسية.
  • التدوين (Journaling): واحدة من أقوى الأدوات. التجربة الشخصية لسوزان ديفيد كانت خير مثال. عندما توفي والدها وهي في السادسة عشرة، شجعتها معلمة لغة إنجليزية على الكتابة عن مشاعرها. تقول ديفيد إن التدوين لم يجعل حزنها أقل، لكنه سمح لها “بالتحرك عبر الصدمة” ومعالجتها بدلا من أن تحاصر بداخلها.

الحضور الواعي هو الاعتراف بأن لديك أفكارا ومشاعر، لكنك لست أفكارك ومشاعرك.

الركيزة الثانية: التراجع خطوة (Stepping Out)

بمجرد أن “حضرت” ولاحظت أفكارك ومشاعرك، تأتي الخطوة الثانية: فصل نفسك عنها. هذا هو خلق “المسافة” التي تحدث عنها فيكتور فرانكل.

عندما نكون في حالة “جمود”، تندمج هويتنا مع الفكرة أو الشعور.

  • “أنا غاضب” (اندماج).
  • “أنا فاشل” (اندماج).

“التراجع خطوة” هو ممارسة الرؤية المنفصلة” (Detached Observation).

كيف تمارس “التراجع خطوة”؟

  • أعد صياغة لغتك (Labeling):
    • بدلا من “أنا غاضب”، قل: “أنا ألاحظ شعورا بالغضب”.
    • بدلا من “هذا العرض التقديمي سيكون كارثة”، قل: “أنا لدي فكرة تقول إن هذا العرض سيكون كارثة”.
    • هذا التغيير اللغوي البسيط يخلق مسافة فورية. أنت لم تعد الشعور، أنت “مراقب” الشعور.
  • استخدم استعارة “رقعة الشطرنج“:
    • تخيل أن عقلك رقعة شطرنج. الأفكار والمشاعر (الإيجابية والسلبية) هي قطع الشطرنج البيضاء والسوداء. إنها تتقاتل، وتتحرك، وتأتي وتذهب.
    • في حالة الجمود، تظن أنك إحدى القطع (مثل الجندي الأبيض الذي يحارب القطع السوداء).
    • في حالة المرونة، تدرك أنك لست القطع، بل أنت الرقعة نفسها. أنت الوعاء الذي يحتوي كل هذه الأفكار والمشاعر. الرقعة لا تتأثر بالمعركة الدائرة فوقها. إنها ثابتة وواسعة.
    • هذا المنظور يمنحك السلام، ويتيح لك رؤية الصورة الأكبر، ويبقيك ثابتا بينما تتحرك المشاعر العابرة.

هذه المسافة تمنع تجاربنا العقلية العابرة من السيطرة علينا، وتسمح لنا باختيار رد فعلنا التالي.

الركيزة الثالثة: السير نحو “لماذا” (Walking Your Why)

بعد أن حضرت (الركيزة الأولى) وخلقت المسافة (الركيزة الثانية)، أصبح لديك الآن مساحة للاختيار. ولكن، كيف تختار؟

هنا يأتي دور القيم الجوهرية” (Core Values).

حياتنا مليئة بـ “نقاط الاختيار” (Choice Points). آلاف القرارات كل يوم.

  • هل أذهب إلى النادي الرياضي بعد العمل أم أستلقي على الأريكة؟
  • هل أرد على الهاتف لصديقي الذي جرح مشاعري أم أتجاهله؟
  • هل أتحدث في الاجتماع وأخاطر بالظهور بمظهر غبي، أم أبقى صامتا؟

في غياب بوصلة واضحة، فإننا نميل إلى اتخاذ قراراتنا بناء على دوافع قصيرة المدى (تجنب الألم، البحث عن الراحة الفورية).

قيمك الجوهرية هي بوصلتك. إنها إجابتك على سؤال “لماذا؟”. هي المبادئ التي تريد أن تحيا بها حياتك. (مثل: النزاهة، العائلة، الإبداع، التعلم، الشجاعة، خدمة الآخرين).

“السير نحو لماذا” يعني أن تجعل قيمك هي المحرك لقراراتك، وليس مشاعرك المتقلبة.

كيف تطبق “السير نحو لماذا”؟

  1. حدد قيمك: ما هو المهم حقا بالنسبة لك؟ (ليس ما “يجب” أن يكون مهما). فكر في شخص تحترمه بشدة، ما هي الصفات التي تجعلك تحترمه؟ هذه غالبا ما تكون قيمك.
  2. استخدمها في نقاط الاختيار:
    • الموقف: تشعر بالتوتر ولا تريد الذهاب للنادي.
    • الجمود: “أنا متعب، سأذهب غدا”. (تحركه الراحة الفورية).
    • المرونة (الحضور): “ألاحظ شعورا بالتعب ومقاومة للذهاب”.
    • المرونة (التراجع): “أنا لست تعبي. إنه مجرد شعور”.
    • المرونة (السير نحو لماذا): “ولكن، إحدى قيمي الأساسية هي ‘الصحة الجسدية’ و ‘الانضباط’. الذهاب إلى النادي، حتى لو كان صعبا، هو تصرف يتماشى مع قيمي”.

لاحظ الفرق: المرونة العاطفية لا تعني أنك “ستشعر” بالرغبة في الذهاب للنادي. بل تعني أنك ستذهب “على أي حال”، لأن “لماذا” الخاصة بك أقوى من شعورك اللحظي.

الركيزة الرابعة: المضي قدما (Moving On)

هذه هي الركيزة التي تترجم كل الوعي الداخلي إلى فعل حقيقي في العالم الخارجي. المضي قدما لا يعني “التغلب” على المشاعر، بل يعني إجراء تغييرات صغيرة ومتعمدة في حياتك تتماشى مع قيمك (الركيزة الثالثة).

وهذا يتجلى في مبدأين هامين:

مبدأ “التعديلات الطفيفة” (The Tiny Tweaks Principle)

كتب المساعدة الذاتية التقليدية تحب “التحولات الكبرى”. “غير حياتك في 30 يوما!”. لكن الأبحاث تدعم العكس تماما: التغييرات الصغيرة المتعمدة والمشبعة بالقيم هي التي تصنع فرقا هائلا وتدوم طويلا.

لماذا؟ لأن التغييرات الكبيرة تثير خوفنا ومقاومتنا. أما التعديلات الطفيفة، فإنها تتسلل تحت رادار الخوف.

  • الهدف الجامد: “سأصبح كاتبا وأؤلف كتابا هذا العام”. (مخيف وساحق).
  • التعديل الطفيف المرن (القيمة: الإبداع): “سأكتب لمدة 10 دقائق كل صباح. هذا كل شيء”.

هذه التعديلات الطفيفة، عند ممارستها يوميا، تتراكم بقوة. إنها تغيير في العادات، والعادات هي التي تشكل مصائرنا.

مبدأ “التحدي والتوازن” (The Teeter-Totter Principle)

تخيل لاعبة جمباز عالمية. حركاتها تبدو بلا مجهود بسبب مرونتها وقوة عضلات “الجذع” (Core) لديها. عندما تفقد توازنها قليلا، يساعدها جذعها القوي على تصحيح وضعها.

لكن لكي تظل في القمة، لا يمكنها الاستمرار في أداء الحركات السهلة. يجب عليها الاستمرار في دفع نفسها خارج “منطقة الراحة” (Comfort Zone) لتجربة حركات أصعب.

نحن كذلك. المرونة العاطفية هي “الجذع” النفسي. نحتاج إلى إيجاد التوازن المثالي بين التحدي، حتى لا نشعر بالملل والركود والكفاءة، حتى لا نشعر بالإرهاق والانهيار.

تروي سارة بلاكلي، مؤسسة شركة Spanx وأصغر مليارديرة عصامية في وقتها، أن والدها كان يسألهم كل مساء على العشاء: “حسنا، أخبروني كيف فشلتم اليوم؟”.

لم يكن السؤال مصمما لإحباطهم. بل كان يهدف إلى تشجيعهم على تخطي حدودهم. كان “الفشل” في تجربة شيء جديد وصعب أمرا يستحق الثناء، لأنه يعني أنهم يخرجون من منطقة الراحة.

“المضي قدما” يعني أن تستمر في النمو، وأن تتقبل الفشل كجزء من عملية التعلم، وأن تحافظ على هذا التوازن بين التحدي والكفاءة، مدفوعا بقيمك.

المرونة العاطفية في العمل والحياة

كيف تبدو المرونة العاطفية في الواقع؟

القيادة والإدارة:

  • القائد الجامد: عندما يفشل مشروع، يبحث عن كبش فداء، ويتخذ قرارات انفعالية، ويتمسك بالاستراتيجيات الفاشلة (مثل قبطان البارجة).
  • القائد المرن: (يحضر) “أشعر بالإحباط من هذه النتيجة”. (يتراجع) “هذا الإحباط هو رد فعل، وليس استراتيجية”. (يسير نحو لماذا) “قيمتنا هي التعلم والابتكار. (يمضي قدما) “دعونا نجري تحليلا موضوعيا لما حدث، ونتعلم منه للمشروع القادم”.

العلاقات الشخصية:

  • الشريك الجامد: (عند الخلاف) “أنت دائما تجعلني أغضب!” (يلقي اللوم، يندمج مع الغضب).
  • الشريك المرن: “أنا (أحضر) أشعر بالغضب الآن. (أتراجع) أحتاج إلى دقيقة لأهدأ حتى لا أقول شيئا أندم عليه. (أسير نحو لماذا) علاقتنا مهمة بالنسبة لي، وأريد أن أفهم وجهة نظرك”.

النمو الشخصي (مثل المماطلة):

  • الشخص الجامد: “يجب أن أعمل على هذا المشروع. أنا لا أريد. أنا كسول جدا”. (يدخل في حلقة من جلد الذات وتجنب المهمة).
  • الشخص المرن: (يحضر) “ألاحظ شعورا قويا بالمقاومة والملل تجاه هذا المشروع”. (يتراجع) “هذا مجرد شعور، لا يعني أنني كسول”. (يسير نحو لماذا) “إنجاز هذا المشروع مهم لتقدمي المهني (قيمة: الإنجاز)”. (يمضي قدما) “سأقوم بتعديل طفيف: سأعمل عليه لمدة 20 دقيقة فقط، ثم آخذ استراحة”.

الخاتمة:

لقد بدأنا رحلتنا مع قبطان البارجة “ديفاينت”، الذي كان يمثل الجمود والصلابة. كان يعتقد أن القوة تكمن في جعل العالم (المنارة) ينصاع لإرادته.

المرونة العاطفية هي إدراك أن القوة الحقيقية تكمن في العكس: في القدرة على تعديل مسارنا بوعي استجابة للحقائق الثابتة – سواء كانت منارات في البحر، أو مناراتنا الداخلية المتمثلة في مشاعرنا وقيمنا.

المرونة العاطفية ليست وصفة سحرية لحياة خالية من الألم أو الأخطاء. إنها ليست السعي للكمال. إنها عملية شجاعة ومستمرة لـ:

  1. الحضور لمواجهة واقعنا الداخلي والخارجي كما هو.
  2. التراجع لخلق مساحة للوعي والاختيار.
  3. السير بوعي نحو قيمنا الأسمى.
  4. المضي قدما بتعديلات طفيفة وشجاعة، متقبلين التعثر كجزء من النمو.

في عالم يطالبنا باستمرار بأن نكون أسرع وأقوى وأكثر إيجابية، فإن المرونة العاطفية هي دعوة ثورية لنكون أكثر إنسانية، وأكثر صدقا، وأكثر مرونة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى