التشخيص النسقي في العلاج الأسري

يعد التشخيص النسقي في العلاج الأسري من أهم الأدوات لفهم تعقيد العلاقات داخل الأسرة؛ فهو لا يركز على فرد بعينه، بل ينظر إلى النسق العائلي ككل بما يحمله من تفاعلات ظاهرة وخفية. يساعد هذا المنظور المعالجين على قراءة أنماط التواصل، وحلقات التغذية الراجعة، والأدوار التي يتبناها كل عضو داخل النسق، لفهم كيف تنتج الأسرة الأعراض وكيف تبقي عليها.
في هذا المقال نستعرض مفهوم التشخيص النسقي وأبعاده الاثني عشر كما صاغتها سلفيني وزملاؤها، مع توضيح دور حلقات التغذية الراجعة والتقييم الثلاثي للأجيال في تفسير الصعوبات النفسية داخل سياقها العائلي. يوجه هذا المقال إلى الأخصائيين النفسيين، والمعالجين الأسريين، وطلبة علم النفس الراغبين في تعميق فهمهم للديناميكيات الأسرية المعقدة وأساليب التدخل النسقي الفعال.
ما هو التشخيص النسقي؟
التشخيص النسقي هو أسلوب تحليلي يفحص المشكلة أو النسق في مجمله برؤية شمولية، مع التركيز على التفاعلات والعلاقات بين مكوناته المختلفة، بدلا من التركيز على الأفراد كل بمعزل عن النسق. يستعمل هذا النهج لفهم ديناميكيات الأسرة المعقدة، مثل حلقات التفاعل وعناصر التكوين غير المعلنة، والتي تؤثر بشكل جماعي على الأداء، ثم تحسين أداء الأفراد والنسق الأسري ككل.
يتم التركيز في هذا النهج على تحليل الروابط وحلقات التغذية الراجعة والتأثيرات المتبادلة بين عناصر النسق. وتحديد المتغيرات التي يمكن تفعيلها لإحداث تغيير في النسق الأسري. يمكن أن تكون هذه المتغيرات ثابتة (العمليات والهياكل) أو قابلة للتغيير (الثقافة والأخلاق).
كما يشير التشخيص النسقي إلى التزامنية المرتبطة بالواقع والحاضر لتقييم العلاقات. ويستخدم بشكل أساسي خلال المرحلة الأولى من الاستشارة في العلاج الأسري، بعد تقييم وتحليل الطلب. وتتبع إن دعت الضرورة العلاجية بالتشخيص الثلاثي للأجيال والتشخيصات الفردية للشخصية.
ينتج التشخيص النسقي عن عنصرين أساسيين
الأول، معرفة الحقائق الأساسية لتاريخ المريض وعائلته، لتحديد وصف المشكلة (سبب الاستشارة): وفاة، انفصال، تركيبة الأسرة، فرق الأعمار، ترتيب الولادات، الأمراض الخطيرة، وغيرها.
الثاني، ملاحظة (هنا والآن) الطريقة التي تقدم بها العائلة نفسها؛ سواء في الحميمية أو في الحضور أو التواصل والتفاعلات فيما بينهم، وبينهم والمعالج.
يعتمد التشخيص النسقي على إمكانية مراقبة تفاعل الأسرة في غرفة العلاج خلال الجلسة أولا. ثم يقيم اللحظة الحالية للعائلة (الجانب المتزامن). حتى وإن كان يأخذ في الاعتبار بعض الحقائق التي تميز التاريخ الشخصي والعائلي. وهو يختلف عن نظام التشخيص العلائقي (الفرز الجيلي)، الذي يركز على التاريخ العائلي وعلى عمليات نقل سمات وسلوكيات شخصية عبر الأجيال.
حلقات التغذية الراجعة (Boucles de rétroaction)
يعتبر مفهوم حلقات التغذية الراجعة أساسيا في نظريات الأنساق والأسرة، التي تنظر إلى الأسرة كوحدة مترابطة حيث يؤثر سلوك كل عضو فيها على النظام بأكمله.
في التشخيص الأسري، تعتبر حلقات التغذية الراجعة أنماطا متكررة من السلوك؛ حيث تؤدي تصرفات أحد أفراد الأسرة إلى إحداث استجابة من فرد آخر. وهو ما يؤثر بدوره على الشخص الأول. هذه الحلقات ضرورية لفهم ديناميكيات الأسرة.
يستخدم المعالج الأسري مفهوم حلقات التغذية الراجعة لتحديد كيفية تعزيز التفاعلات في النسق الأسري أو تعطيله، بهدف بناء حلقات أكثر صحة وإيجابية.
1.2. أنواع حلقات التغذية الراجعة
حلقات التغذية الراجعة السلبية
- تساعد هذه الحلقات على الحفاظ على الوضع الراهن في الأسرة، وتساعد على الاستقرار والشعور بالتوازن الداخلي.
- تعمل على مقاومة التغيير، وإعادة النسق إلى حالته الطبيعية أو التوازن الداخلي. على سبيل المثال، إذا تصرف أحد الأطفال بشكل غير لائق، فقد يتدخل أحد الوالدين على الفور، مما يمنع تصعيد الموقف وبالتالي تعزيز الديناميكية الموجودة.
حلقات التغذية الراجعة الإيجابية
يشير مصطلح إيجابي إلى عملية التضخيم، وليس بالضرورة إلى ما إذا كانت النتيجة صحية أم غير صحية.
تعمل هذه الحلقات على تضخيم أو تقليل رد فعل أحد أفراد الأسرة، مما يدفع النسق بعيدا عن حالته المعتادة ويعزز التغيير، وتؤدي إلى أنماط تفاعل جديدة.
يمكن أن تكون الحلقة الإيجابية ضارة، مثل الدورة التدميرية؛ حيث يؤدي السلوك السلبي لأحد الأشخاص إلى رد فعل سلبي من شخص آخر، مما يخلق حلقة من الصراع. وقد يكون ذلك مفيدا أيضا، كما هو الحال عندما تؤدي مهارات الاتصال الجديدة إلى مزيد من الاتصال، مما يشجع بدوره على التواصل الأكثر انفتاحا.
تطبيقات حلقات التغذية الراجعة في التشخيص الأسري
فهم ديناميكيات الأسرة:
تساعد حلقات التغذية الراجعة على تجاوز النظرة الخطية لمشاكل الأسرة، وفهم كيفية ارتباط أعراض أحد أفرادها بتفاعلات نظام الأسرة بأكمله.
تحديد الأنماط المرضية:
- يساعد المعالج الأسري على تحديد وفهم حلقات ردود الفعل الخاصة بأفراد الأسرة، وتقسيم الدورات إلى أفعال وسلوكيات وأفكار وعواطف محددة لمعرفة كيفية تأثيرها على بعضها البعض. ومن خلال تحليل هذه الحلقات، يمكننا تحديد أنماط التواصل والسلوك التي تديم الصعوبات داخل الأسرة.
- تغيير الدورات التدميرية: من خلال فهم كيفية عمل الحلقات السلبية، يمكن للأسرة العمل على إيقافها.
- التدخل من أجل التغيير: قد يكون الهدف من العلاج كسر حلقة مدمرة وخلق حلقات جديدة أكثر صحة؛ أي بناء حلقات ردود فعل إيجابية جديدة بوعي مما يؤدي إلى طرق أكثر صحة للتفاعل وزيادة الاتصال. على سبيل المثال، مساعدة أحد الوالدين على تغيير رد فعله تجاه سلوك معين يمكن أن يغير ديناميكيات الحلقة ويشجع الطفل على سلوكيات جديدة.
أمثلة عن حلقات التغذية الراجعة
حلقة التصعيد:
يتم مواجهة تحدي المراهق (أو سلوكه المنحرف) بمزيد من الرقابة الأبوية، مما يؤدي إلى المزيد من التحدي وتصعيد الصراع من قبل المراهق (ردود الفعل الإيجابية).
مثال ثاني عن تصعيد الخلافات:
يبدأ الزوجان مناقشة بسيطة حول مشكلة معينة. ثم يبدأ الزوج بالصراخ، فترد الزوجة بصراخ أعلى، مما يؤدي إلى زيادة غضب الزوج، وهكذا. هذه دورة تغذية راجعة إيجابية فيها تضخيم للسلوك، وتمنعهما من الوصول إلى حل، وتستمر لأيام أو أسابيع.
حلقة الاستقطاب:
يصبح أحد الشريكين سلبيا بشكل مفرط، ويصبح الآخر إيجابيا بشكل مفرط لتحقيق التوازن بينهما، مما يؤدي إلى توسيع الفجوة بينهما (نوع من الحلقة السلبية التي تحافظ على المسافة).
مثال ثاني، يعبر أحد أفراد الأسرة عن مشاعره (الحزن أو القلق) بشكل منفتح وصادق في موقف معين.
النتيجة: المستقبل يتشجع أيضا على التعبير عن مشاعره في الموقف، مما يقوي الروابط بين الفردين، ويوضح إحساس كل منهما، ويزيد من الثقة المتبادلة بين أفراد الأسرة.
حلقة الاستقلالية:
عندما يبدأ الطفل أو المراهق في تحمل المزيد من المسؤوليات داخل الأسرة، يقدم الوالدان دعما وإشادة (تغذية راجعة إيجابية). هذا الدعم يساهم في تنمية مهارات الطفل بنفسه وتشجعه على تحمل المزيد من الاستقلالية والمسؤولية، مما يؤدي إلى تنمية إيجابية في النسق ككل. النتائج جاءت بناءة وعززت التغيير والنمو من خلال الاستجابات الوالدية لتعزيز السلوكيات.
مثال ثاني،
الفعل: يبدأ المراهق في الخروج مع الأصدقاء ويتولى المسؤولية بشكل مستقل (يعود في الوقت المناسب).
النتيجة: يبدأ يشعر بالاستقلالية والحرية، مما يؤدي إلى تنمية الثقة والاستقلالية لاحقا.
حلقة التذمر والانسحاب:
- يوضح هذا النمط الشائع دورة ذاتية التكرار تحافظ على نمط علاقة ثابت، وغالبا ما يكون غير فعال: المثال الموالي:
- الفعل: تطلب الزوجة من زوجها القيام بمهمة ما تضايقه.
- الرد: الزوج ينسحب/يؤجل لتجنب تذمر زوجته (ردود الفعل السلبية على تصرف الزوجة)
- الرد على الرد: الزوجة تتذمر بشدة لأن المهمة لم تنتهي وتشعر بالتجاهل.
- الرد على ذلك الرد: الزوج ينسحب أكثر أو يصبح دفاعيا.
- النتيجة: ترسخت هذه الحلقة. كلما زادت نبرة صوتها، انسحب هو، والعكس صحيح. هذا يبقي على نمط تواصلهما كما هو.
تصاعد التنافس بين الأشقاء (حلقة ردود الفعل الإيجابية).
- تعمل هذه الحلقة على تضخيم السلوك وتتطلب غالبا تدخلا خارجيا لإيقافه. المثال الموالي:
- الإجراء: الأخ (أ) يأخذ لعبة الأخ (ب.)
- الرد: يصرخ الأخ ب ويدفع الأخ أ.
- الرد على الرد: يقوم الأخ (أ) بدفعه بقوة أكبر ويصرخ بالإهانات.
- النتيجة: يتصاعد الصراع بسرعة (حلقة تغذية راجعة إيجابية تعمل على تضخيم الانحراف على التفاعل الهادئ) حتى يتدخل أحد الوالدين .
حلقة صانع السلام (حلقة ردود الفعل السلبية):
- تحافظ هذه الحلقة على الاستقرار من خلال تعيين أدوار محددة لإدارة الصراع، المثال الموالي:
- الفعل: يبدأ الوالدان بالجدال بشدة.
- الرد: يقوم الطفل بالتمثيل أو البكاء أو إدخال نفسه جسديا بين الوالدين.
- الرد على الرد: يتوقف الأبوان عن الجدال ويحولان تركيزهما إلى سلوك الطفل أو يهدئانه.
- النتيجة: سلوك الطفل المشاغب يعمل على استعادة السلام والحفاظ على الوضع الراهن للأسرة من خلال تجنب حل النزاعات المباشرة بين الوالدين.
في هذه الأمثلة، لا يلام أي شخص بمفرده تماما. ويتضمن التشخيص فهم نمط التفاعل نفسه (فهم حلقة التغذية الراجعة) بدلا من إلقاء اللوم على أفعال فرد واحد بمفرده. وتكون الحلقة هي المشكلة.
ومن خلال تحليل هذه الحلقات، يستطيع المعالج فهم كيف تساهم قواعد الأسرة وأنماط التواصل في الحفاظ على المشاكل وتوجيه الأسرة نحو طرق أكثر تكيفا للتواصل وتعزيز الارتباط والنمو الصحي.
3. التقييم الثلاثي للأجيال
تحدث فرامو (1992) عن التقييم الثلاثي للأجيال أو التقييم المتعدد للأجيال، الذي يبدأ بالتفكير في نوع الطفل الذي كان عليه الوالد. ويحاول فهم ما هي النماذج التي أتيحت له لاستدخالها. هل كان يعرف أنه كطفل يعيش مع والد مسيء؟ وهل كان مهرجا أعاد إحياء علاقة زوج (ة) مكتئب؟ وهل حاول تجنب موقف صعب بالتفكير فقط في نفسه؟
التفاوت الكبير في سلوك الشخص الذي نلتقي به كوالد وشرح وضعه كطفل سيكون له بالتأكيد تأثير حاسم على هويته العامة وبالطبع على أبوته.
التشخيص الثلاثي الأجيال في العلاج الأسري، هو نهج تشخيصي يدرس كيفية تجذر المشاكل الأسرية الحالية في الأنماط والمعتقدات والسلوكيات المتوارثة عبر الأجيال. يستخدم المعالجون هذا الإطار لفهم كيفية انتقال قضايا مثل الصدمات النفسية، وديناميكيات العلاقات، وآليات التأقلم من جيل إلى جيل، وكيفية كسر هذه الدورات لتعزيز الشفاء والتغيير في الحاضر.
تشمل التقنيات الرئيسية في التقييم الثلاثي للأجيال استخدام: الجينوغرام، وتحديد الأنماط المتكررة (أنماط التربية المحددة، أساليب التواصل، طرق التعامل مع الأزمات)، وعملية الانتقال متعدد الأجيال (الأنماط العاطفية والسلوكيات ومستويات النضج تنتقل من جيل إلى جيل، مما يؤثر على أداء أفراد الأسرة عبر أجيال متعددة. وتساعد على فهم أن المشاكل الحالية في الأسرة هي انعكاسات لقضايا تاريخية لم تحل واستراتيجيات للتكيف، والهدف العلاجي هو مساعدة أفراد الأسرة على تحديد هذه الأنماط وتغييرها من خلال التواصل غير القلق وغير العدواني)، والمثلثات (تتضمن العلاقة غير المستقرة بين شخصين شخصا ثالثا لإدارة القلق، مما يؤدي غالبا إلى ديناميكية اثنين ضد واحد غير طبيعية)، وأخيرا تحليل العمليات العاطفية (يقوم المعالج الأسري بتحليل العمليات العاطفية التي شكلت الأسرة بمرور الوقت، مثل كيفية التعامل مع الأزمات وكيفية نقل القصص والمعتقدات).
يشير التشخيص الثلاثي للأجيال إلى الجوانب الزمنية للأسرة، لكن التشخيص النسقي يشير إلى التزامنية، المرتبطة بالواقع والحاضر للتقييم العلاقي.
4. أبعاد التشخيص النسقي
يمكن ملاحظة هذه الأبعاد بشكل مباشر في الاستشارة الأسرية، من خلال السلوكيات غير اللفظية: كيف يجلس أفراد الأسرة؟ من يلمس من؟، من ينظر إلى من؟ وهو ما يسمح لنا بالحصول على إدراك فوري للأنظمة الفرعية في العائلة. وبطريقة مماثلة، عادة ما يستغرق الأمر بضع دقائق فقط من الحديث العائلي للحصول على فكرة دقيقة عن تماسك الزوجين كوالدين. كما يمكن الحصول على معلومات رئيسية أخرى من خلال أسئلة محددة من نوع: كيف تم ترتيب المنزل؟ من ينام مع من؟ في أي مكان؟ وهكذا.
البعد الهيكلي
هو البعد الكلاسيكي الذي طوره مينوشين (1974) والذي يتعامل مع مخطط تنظيم العائلة من حيث احترام التسلسل الهرمي، القرب/المسافة، الحدود والأنظمة الفرعية. يركز هذا البعد على ترتيب العلاقات في الفضاء العاطفي للعائلة. مثال 1، في الهيكل الذي فيه أم وابنها قريبان جدا، وأب غائب. نعمل على تقريب الابن من والده من خلال فصله عن والدته. أو نعمل على تقريب الآباء الذين يبتعدون عن بعضهم البعض، أو إعادة تنظيم مكان الابن الذي تولى قيادة ضارة.
مثال 2، يمكن ملاحظة هيكل متساوي جدا للعلاقات الأسرية (غياب الحدود والتسلسل الهرمي، المسؤولية المبكرة ولكن غير المستقرة للأبناء، تبادل الأدوار بين الوالدين والأبناء، الأم وابنتها التي تبدوان كأختين، إلخ) في وجود مرض فردي، سواء لدى الآباء أو الأطفال، في المجموعة الدرامية (خصوصا في الأنماط الحدية والتمثيلية).
من المستحيل إقامة علاقة سببية خطية بين سمات الشخصية وتكوينات العائلة، نظرا لطبيعة هذه الظواهر المعقدة.
بعد لعبة القوة أو الاستراتيجية
هو البعد الذي طوره هايلي (ماندانس، 1981)، ويركز على الصراع على السلطة. يحمل هذا البعد المفاهيم الأساسية التالية: التحالفات، الولاءات، المثلثات المنحرفة، التحريض، التعقيد، الضربة الزوجية، الانسحاب.
يبحث البعد في: من هو المسؤول في الأسرة؟ (قيادة الأسرة)، أو من وجهة نظر هيكلية: من يشغل المكانة في أعلى التسلسل الهرمي؟ أو من وجهة نظر استراتيجية: من انتصر في حرب السلطة؟. لنشير إلى الطريقة التي تؤثر بها العلاقة بين اثنين من أفراد العائلة على طرف ثالث.
مثال 1،
تأثير الصراع الزوجي على الطفل، والذي يعرف غالبا بالتشابك. ويخلق ما قدمه هايلي (1969) تحت مسمى المثلث المنحرف؛ أي التحالف بين الوالد والطفل ضد الوالد الآخر.
مثال 2،
الابنة التي تحرض والدها ضد والدتها. وتقدم والدتها على أنها غير مشبعة وغير كافية ومريضة، بينما تم إغواؤها بطريقة مشوشة من قبل والدها، بسبب اعتقادها بوجود علاقة مميزة مع والدها.
أحيانا، في الممارسة العيادية، يكون المريض الأول هو من يملك أقل سلطة ويعاني من الظلم. وتتكون علاقة بين الأعراض والاحساس بالظلم: وراثة غير عادلة، سوء المعاملة أو العنف، الاستبعاد من الأسرار المهمة، الرفض داخل الأسرة وغيرها.
ويكون في هذه الحالات، الانتقام أو اتخاذ إجراء لإصلاح الأخطاء؛ أو الحياد المطلق مدمرا تماما للدور العلاجي لأنه يميل إلى التقليل من قيمة الدور النشط للمريض، وإهمال خطورة المعاناة، قبل وبعد بداية الأعراض.
يجب على المعالج في بند السلطة، أن يعمل أولا على نفسه، ليجد التوازن بين إحساس القدرة المطلقة (وهم معالجة كل شخص بوسائله الخاصة) وإحساس العجز (الحكم على كل شخص متأثر بشدة، أو ضعف الدافع، أو السياق غير مناسب، أو فعالية التدخل، وما إلى ذلك). سيتعين على المعالج بعد ذلك نقل نفس التوازن إلى المرضى وعائلاتهم من خلال استعادة السلطة والمسؤولية.
هناك أيضا خطر أن يتدخل المعالج أو يصبح مفرطا بطريقة خاطئة وعلاجية، من خلال الوقوع في لعبة أحدهما ضد الآخر، وتكرار أنماط العدوان أو الحماية المفرطة. المعالج الذكي يبقى منفصلا عاطفيا، ويعمل على إعادة بناء الطريقة التي تتخذ بها الأسرة أهم القرارات، بدءا من اللجوء للعلاج، ثم معالجة قرار الزواج، وإنجاب طفل، واختيار مكان السكن، وما إلى ذلك.
بعد التحكم والتوجيه
يمثل التقييم الكلاسيكي لكيفية ضمان الآباء لضمان التزام الأطفال بالقواعد. من خلال قدرة الوالدين على تولي دور الموجه. في التقييم النسقي، يتم تقييم عائلات مدمني المخدرات واضطراب السلوك الغذائي والأكل مثلا على أنها تعاني عموما من عجز واضح فيما يتعلق بهذا البعد من السيطرة الأبوية (أو الإتقان).
في الجلسات الأولية يعمل المعالج على تقليل سيطرة الوالدين على النظام الغذائي وعلى حياة الأبناء ككل. كما نقيم مدى السيطرة التي يمارسها الأطفال على آبائهم.
توجد علاقة مباشرة بين البعد العلائقي للسيطرة المفرطة واضطرابات الشخصية من المجموعة (C) (الاعتمادية، التجنبية، الوسواسية). ويمكننا الإشارة إلى التحكم المفرط في الحماية للأشخاص المدمنين، والسيطرة على أساس النقد، وحقيقة خلق العار للشخصيات التجنبية، والسيطرة القائمة على قواعد وانضباط مفرطين للاضطراب الشخصية الوسواسية.
يمكن ملاحظة هذا البعد بسهولة من خلال موقف الأقارب تجاه المشكلة. في غياب السيطرة لن يدركوا ذلك أو على المدى الطويل سيقللون من ذلك؛ على العكس، في حالة التحكم، سيتم إطلاق الإنذار بالفعل بسبب حقائق تافهة، مما يثير نبوءة تحقق ذاتها. النمط الثالث، هو التذبذبات المستمرة بين عدم الاهتمام والتحكم المفرط (يمكن ربطه ببناء جوانب غير منظمة من شخصية المريض).
بعد القلق
يظهر هذا بعد عندما يشكك الآباء في مشكلة طفلهم. هناك تشابه بين المسافة/القرب وموضوع السيطرة. يركز بعد القلق أكثر على القطب العاطفي بدلا من التوجيه في الأبوة. هذا البعد مفيد وفعال في المقابلات الأولى؛ حيث توجد أقطاب معاكسة للمشكلة: التقليلمن جهة والتمثيل الدراميمن جهة أخرى. يمكن تقسيم كل منهما إلى قطبين: الانفصال أو اللامبالاة بالأول، والعداء أو النقد المفرط للثاني.
سيتعين على المعالج القيام بدور إعادة التوازن في الحالتين، عليه أن يقاوم التقليل من الواقع، وعليه أن يجد التقنية الفعالة لتسليط الضوء على الواقع ومدى المشكلة.
على سبيل المثال، عندما تواجه مريضة اضطراب السلوك الغذائي وعائلتها الذين تتقاطع مواقفهم نحو التقليل من شأن الأعراض لأسباب مختلفة: المريضة من خلال إنكار هوسها بالطعام أو سلوكيات التخلص مثل التقيؤ. لذلك، فإن تأكيد تعريف المرض يمكن أن يكون الخطوة الأولى لمساعدة كل من الفتاة وأفراد أسرتها على الاعتراف بوجود معاناة.
فيما يتعلق بالتمثيل الدرامي، نستخدم تقنيات ضبط القلق، والالتزام بالاعتراف بمسؤولية معينة ودور توجيهي. يمكننا في هذا البعد تبني تصنيف مينوشين للعائلة المنفصلة (قليل من التمثيل الدرامي، المسافة الشخصية كبيرة، تحكم ضعيف) والعائلة المتشابكة(شدة علاقات مفرطة، سيطرة مفرطة).
بعد الصراع/التعاون
يمكننا أن نجد أنفسنا أمام عائلات (أو أزواج) شديدة الصراع، أو على العكس، مع عائلات يكون الصراع فيها مضخما، أو غائبا. ومن بين أحسن التقنيات هنا هي تحفيز تعبئة الأعضاء في الوضع المنخفض في العلاقة. أين يمكن تفسير وضع المريض في دور التضحية على أنها مساعدته للتخلي عن القوة المرضية للعرض من أجل القتال علنا.
مثال عيادي، عائلة فيها الزوج يقوم بدور مرضي، بينما يكون دور الأبوة ذو جودة ضعيفة. لذا فإن التشخيص النسقي يتطلب تحديد المناطق أو المجموعات الفرعية الأكثر نزاعية في العائلات، وتحديد الموارد الإيجابية في القدرة على التعاون.
في هذا البعد يرتكز العلاج حول زيادة النشاط التعاوني، وإبراز القدرات المتبقية للتعاون بطريقة إيجابية، من خلال دعوة الزوجين أو باقي الأفراد لكتابة أنشطة مشتركة للجلسة القادمة، كل منهم بمفرده، وهي أنشطة مشتركة تظل ممتعة.
إن فهم درجة الصراع، سواء كان واضحا أو علنيا (أو حتى غائبا)، أمر مهم للحصول على تشخيص نسقي جيد.
بعد التعاطف والدفء
بعد قبول الآخر أو قبول الطفل. يمكن أن يتكون القرب من السيطرة، القلق، الصراع، المنافسة، إلخ. أي بعد عاطفي بعيد عن القبول الذي يميز بعد التعاطف والدفء.
إذا نجحنا أثناء العلاج الأسري في مساعدة الوالد على ملاحظة انفصاله، وعدم تسامحه، وموقفه النقدي الشديد تجاه طفله، قبل ظهور الأعراض. وأعدنا بناء الأسباب معا، بربطها بتاريخ الطفل وتاريخ العائلة الحالية، فسنكون قد أنجزنا عملا من التعاطف. كما نحتاج إلى إبطاء مشاركة المعالج الشخصية.
بعد التواصل الفوقي
في العلاج النسقي، تقييم التأكيد، والرفض، والاستبعاد، الربط المزدوج، الوضوح، الارتباك، وغيرها هو عمل لتقييم التواصل الفوقي، أي قدرة أفراد العائلة على التواصل من خلال التفاعلات، العلاقات، المشاعر، وما إلى ذلك.
ويؤدي تقييم هذا البعد إلى تدخلات تهدف إلى تغيير أساليب التواصل في الأسرة.
مثال، إعادة توزيع ترتيب ومدة الأدوار المكافئة في الجلسة، أو تكرار وإعادة صياغة ما قيل بشكل منهجي لاستيعابه بشكل أوضح، أو الطلب من شخص ما التعبير عن نفسه بصيغة المتكلم المفرد وليس ب نحن.
أثرت نظرية بولبي (1988) ونظرية التعلق على هذا البعد بمفاهيم الكفاءة الذاتية وتغيير ذاكرة التعلق. وبفضل هذه المدخلات بدأنا في تقييم محتوى وعاطفية وصف العائلة الأصلية من قبل والد المريض. وقد تحقق استخدام التواصل من خلال التعليم النفسي (وفق نموذج المشاعر المعبر عنها لليف وفون، 1985) الذي يستخدم تقييم نوع التواصل العائلي (فيما يتعلق بالنقد المفرط والحماية المفرطة التي تشير إلى أبعاد أخرى) كمعايير لمنع الانتكاسات لدى المرضى الخطرين.
من المثير للاهتمام أيضا في تقييم أداء الأسرة أن نلاحظ كيف يتغير الموقف التواصلي للأفراد وفقا لسياق الدعوات: الفرد، الإخوة، العائلة بأكملها، إلخ. وهذا أيضا سبب أهمية تنوع الدعوات، التي بدونها لم نكن لنتمكن من ملاحظتها. مثال، يمكن ملاحظة لعبة مزدوجة مع الأزواج الذين نلتقي بهم بشأن مشكلة الطفل: يبتسمون لبعضهم البعض في الجلسات العائلية، بينما يظهر الاحتقار والاستياء في الجلسات المنفصلة.
بعد الانغلاق/الانفتاح على الخارج
يمكن اعتبار هذا البعد امتدادا للبعد الهيكلي؛ لأنه يستكشف علاقة الأسرة النووية مع العائلات الأصلية والأصدقاء والعمل، وبشكل عام مع العالم الخارجي. الإغلاق يرتبط بموارد أقل وتوقعات أسوأ. مثال، حالة عائلة زنا المحارم، تكون معزولة عن الاتصال الاجتماعي والبيئة المحيطة. وهو المجال النموذجي للأسرار الداخلية الجماعية: العائلة كلها تعرف، لكن لا أحد خارج المنزل يجب أن يعرف.
من المهم تقييم جودة الروابط كعائلة وكزوجين مع عائلاتهم الأصلية، وكذلك فيما يتعلق بشبكات الصداقة والمشاركة الشخصية والعاطفية المهنية و/أو الاجتماعية. وهذا يتيح تقييم مستوى تماسك الزوجين.
بعد المساءلة
يمكن إدراك هذا البعد في علاقة الزوجين وفي سياق الإشكالية النسقية الكلاسيكية: نموذج التواصل الإنساني، أي عندما يصبح أحد الزوجين أكثر مسؤولية وكفاءة ونشاطا وقوة، بينما يصبح الآخر أكثر عدم مسؤولية وعدم كفاءة وسلبية وعجز واستبعاد.
يشير هذا البعد من التقييم إلى الافتراض المسبق للكفاءة، وإلى جميع التدخلات لتعزيز موارد أعضاء النسق الذين يبدون هامشيين ومستبعدين.
يقدم المعالج النسقي أسلوبا متساويا وقويا، يمنح الجميع صوتا بشكل عادل، ويهدئ من يضعون أنفسهم كمسيطرين ويشجع الأكثر سلبية وصمت. استراتيجية ثابتة تهدف إلى اختبار صرامة عمل الأسرة.
بعد العدالة
هذا البعد مستوحى من أعمال بوزورميني-ناجي (1981) عن موضوع التجارة العادلة في العلاقات، بشكل خاص على مستوى الزوجين. يمكن قياسه من خلال مساهمة الأفراد في رفاهية الأسرة، من وجهة نظر الحضور/الغياب، والمشاركة في إدارة المنزل، والمال، وبشكل عام توازن العطاء والتلقي (بما في ذلك الانتباه، الوقت، الاستماع، إلخ). موضوع التضحية مهم أيضا لأنه يعتبر أن من يعاني من ظلم في العلاقات أكثر عرضة لتطوير عرض، أو أن يصبح ساما للآخرين (مفهوم الشرعية التدميرية أو متلازمة التعويض).
عندما يتعلق التبرع المبالغ فيه، أو الطلب المفرط بعلاقة الوالد بالطفل، يكون هذا البعد أقرب إلى البعد السابق، وهو البلوغ/التربية. ومع ذلك، فإن التركيز على العدالة يسلط الضوء جزئيا على جوانب مختلفة، حيث ترتبط الصحة النفسية بالقدرة على التعرف على الحقوق، وبالتالي الدفاع عنها.
عدم المساواة في التبادل أمر لا مفر منه في العديد من العلاقات، لكن من المهم أن يعترف به، إما بطريقة يمكن احتوائها، أو قبولها بوعي كخيار حر، أو المكافأة بالامتنان، أو على الأقل بالتبادل الرمزي.
بعد الخوف
أثبتت الأبحاث الطولية على مدى ثلاثين عاما (جونسون وآخرون 2006) الطبيعة التنبؤية القوية لنوعين من سلوك التربية: الإهمال الشديد والعقاب القاسيللأطفال؛ نحو تطور اضطراب الشخصية الشديد لدى البالغين.
حقيقة أن أحد أفراد الأسرة يعيش في حالة خوف من فرد أو أكثر من أفراد الأسرة تمثل خطرا نفسيا مرضيا عاليا. وهذا أمر شائع في الحالات التي يشهد فيها الطفل عنفا جسديا أو نفسيا. يتحول الخوف إلى كراهية، وغالبا ما تكون تجاه رجل: أب أو أخ (كان بإمكانه أن يكون قد استوحى من الوالد المسيء). المريض يكره أحد والديه أو كليهما خلال مرحلة من حياته قبل ظهور العرض المرضي. التجربة من هذا النوع التي يتم التعبير عنها بشكل شبه مباشر غالبا ما تكون ملحوظة في اضطرابات الشخصية الحدية، والسيكوباتية، والفصام، والبارانويا.
بعد المعتقدات أو الأساطير غير العقلانية المشتركة
قد يشارك أفراد العائلة بأكملها فرضية مختلة. مثلا، أسطورة عدم انفصال العائلة الكبيرة الأبوية، مع منع الصراع مع أفراد العائلات الأخرى. تضع هذه الأسطورة الصغار في موقف مستحيل: لو تعرضوا لهجمات من الحسد أو التنمر من العمات وأبناء العم، يكون الطفل غير قادر على الدفاع عن نفسه أو عن والدته أو أخته.
الطريقة التي يدرك بها أحد/أو أكثر أفراد الأسرة (والتي يشوبها تشوه كبير) الواقع النفسي العاطفي لأحدهم، أو العلاقات الداخلية لنواة العائلة الكبيرة، يحدث نوعا من العمى الجماعي أو الهذيان أو الجهل بالواقع الحقيقي.
هذه الأبعاد الاثني عشر للافتراضات النسقية متشابكة وتتداخل مع بعضها البعض، ومع ذلك يسمح كل منها بتركيزات محددة ومفيدة لإنتاج ملاحظات وتدخلات مستهدفة تركز على نقاط علائقية رئيسية.
المراجع
– SELVINI. M (2008), Douze dimensions pour orienter le diagnostic systémique, Terapia Familiar version de janvier 2008, Traduction de Dominique Wathelet
– SELVINI PALAZZOLI, M., CIRILLO, S., SELVINI, M. & SORRENTINO, A.M. (1988), I giochi psicotici nella famiglia. Raffaello Cortina, Milano. Trad. française (1990) : Les jeux psychotiques de la famille, ESF, Paris.
– SELVINI PALAZZOLI, M., CIRILLO, S., SELVINI, M. & SORRENTINO, A.M. (1998), Ragazze anoressiche e bulimiche. La terapia familiare Raffaello Cortina, Milano. Trad. française : Anorexiques et boulimiques. Bilan d’une approche thérapeutique familiale, Médecine et hygiène, Genève (2002).



